الصفحة 6 من 67

الدين، اللّهم إلا ذلك"الفقه البقريّ"إن صح تسمية ما بدا منهم في تعاملهم مع الأمر بذبح"بقرة"فقهًا.

ومن المؤسف أن الأمة المسلمة قد سقطت -رغم النذر كلها- بعد الصدر الأول فيما سقطت فيه أمم من قبل؛ فقد حٌمَّلوا القرآن ثم لم يحملوه إلا بتلك الطريقة"الحماريَّة"، فلم يحسنوا قراءته، ولم يرتّلوه ترتيلًا كما أمروا، ولم يتلوه حق التلاوة، ولم يدبَّروا آياته، بل هجروه {َهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} (الأنعام:26) فأهلكوا أنفسهم. فأصاب فقههم للدين عامّة، وللقرآن خاصة ما أصاب فقه أصحاب البقرة في تنفيذ واجب ذبح البقرة، وتناسوا خصائص شريعتهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحل الطيَّبات، وتحريم الخبائث، ووضع الإصر والأغلال، والقيود والأثقال التي حفلت بها شرائع من قبلهم، وتجاهلوا المقاصد القرآنية العليا [1] ، والمستويات الأخرى من المقاصد [2] لتشبُّث بعضهم بشرائع من قبلنا [3] ، وتبنّى كثير مما فيها من إصر وأغلال. بل قد حدث منا ما هو أخطر من ذلك حين شابهنا {عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} (الحجر:90،91) فـ"المقتسمون"وإن تعددت أقوال المفسَّرين فيهم [4] ، فإنَّنا نرجح أن يكون المراد أولئك الذين جعلوا القرآن مقسّمًا، فما وافق ما لديهم قالوا بصحته مع دعوى اقتباسهم منه، وما خالف ما عندهم من تراث قالوا فيه ما يشاؤون: (أساطير الأولين أو سحر أو كهانة أو شعر) . فقسّموه وقالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض ليخدعوا البسطاء"بموضوعيّتهم"أو علميّة مواقفهم المضطربة التي لا دليل عليها. وليسهل عليهم ذلك الاقتسام جعلوه أعضاءًا: من"التعضية"بمعنى التفريق والتجزأة، يقال: عضّيتُ الجزور والشاة تعضية إذا جعلتها أعضاءًا وقسمتها. ومثل ما نهينا عن حمل القرآن بطريقة"حماريَّة"نهينا عن مشابهة سائر أولئك الذين

(1) 1 (التوحيد والتزكية و العمران.

(2) 2) هي: المقاصد التي تؤدي إلى حفظ الضروريات و الحاجيات و التحسينيات، من عدل وحرية، وأداء للأمانات، ومساواة، وما إليها.

(3) قاعدة أصولية من القواعد المختلف فيها.

(4) انظر اختلافهم الشديد في تحديد المراد بهم في التفسير الكبير للفخر الرازي (19/ 211) والتحرير والتنوير لابن عاشور (14/ 84) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت