الصفحة 21 من 67

ثم جاءت الحدود والتعريفات، ودخل المنطق الأرسطي سائر العلوم والمعارف الإسلامية، بل هيمن عليها إلى أن صار في نظر إمام مثل أبي حامد الغزالي (505 هـ.) "معيار العلم"و"القسطاس المستقيم" [1] وبذلك صار من يريد تصور شيء فإنه يكفيه"الحد المنطقيّ"المؤلف من جنس وفصل. ومن أعياه الوصول إلى ذلك الحد فيكفيه"الرسم"أي أن يعرّف بالفصول أو بالجنس والفصل البعيد أو الخاص. وقد عدّت الحدود المنطقية مفسّرات للماهيات والأجناس، خصوصا الأجناس العالية التي عرفت بـ"المقولات". أما من أراد التصديق وإقامة الدليل على صحة مدّعاه فيكفيه"البرهان"، وما البرهان في نظرهم إلا قياس اقتراني، أو قياس تلازم. و"قياس العكس"عند بعضهم كاف. والقياس الاقتراني له أشكال أربعة كل منها منتج. ولقياس التلازم شكلان أو أكثر. وبذلك بدأ الأصوليون والفقهاء يتسابقون لتوظيف هذه الحدود والتعاريف والأقيسة لإثبات أو نفي ما يذهبون إليه، أو يذهب إليه أئمتهم من قضايا فقهية. فيكفي أن تبنى مقدمة شرعية واحدة وتضع بجانبها مقدمة أخرى عقليَّة أو لغويَّة أو غيرها لتصل إلى نتيجة تكون"نسبة خبريَّة"تامَّة - أي حكمًا فقهيَّا ملزمًا. فإذا أردت التدليل على تحريم شراب مَّا -مثلًا- فلك أن تقول: هذا شراب يخامر العقل - فهو خمر. وكل ما يخامر العقل فهو حرام - (أي: لأنه خمر) . فهذا الشراب حرام.

فالعبارة الأولى مقدمة صغرى، والثانية مقدمة كبرى، والثالثة هي النتيجة، وهذه النتيجة"حكم فقهي"يلتزم به المجتهد ومقلدوه.

ولو عكست فقلت: هذا شراب لا يخامر العقل (مقدمة صغرى) ، وكل شراب لا يخامر العقل فهو حلال (مقدمه كبرى) ، فهذا الشراب حلال (النتيجة) .

وهنا تدخل عمليات عقلية أخرى كالاستقراء والسبر والتقسيم أو الحذف والإضافة.

وحين شاع القول بـ"القياس"وبقية الأدلة المختلف فيها كان الأخذ بهذا المنطق من أهم أسباب الاختلاف الفقهي وتكريسه. فأنت تجد في كل قضية فقهية اجتهادية (وهي تزيد على 90

(1) أسماء كتب ألفها أبو حامد في المنطق وبيان محاسنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت