بين القراءتين" [1] لكنّ الوعي بهذا لم يأخذ حظه من التفعيل في تلك المرحلة، ثم تنبه العقل المسلم - بعد ذلك- إلى أنّ تفعيل هذه الرؤية أساس لا يستغنى عنه في فهم القرآن وحسن تفسيره، ودقة تأويله. ويتناول"الجمع بين القراءتين"الجمع بين القرآن والسنَّة الثابتة من ناحية، ثم بينهما وبين الكون من ناحية أخرى. وأن هذه الوحدة البنائية خطوة منهجية ضروريَّة وحلقة من سلسلة من المحدّدات والقواعد المنهاجيَّة-التي لو أهملت أو أهمل بعضها فليس من الممكن أن نتلو القرآن حق تلاوته، أو نرتله ترتيله المنشود."
وعن"النظر الفقهي"المحدَّد شاع وانتشر النظر الجزئيُّ في آيات الكتاب الكريم. و"النظر الجزئيُّ"لا يمكن أن يؤدي إلى إدراك المناسبات والروابط وشبكات العلاقات بين الكلمات في إطار الآية، ولا بين الآيات في إطار السورة، ولا بين السور في إطار القرآن كلّه. كما لا يساعد ذلك النوع من النظر على الكشف عن العلاقات بين السور في المحيط القرآنيّ -كلّه- وبالتالي فقد غاب التفكير في"الوحدة البنائيَّة"أو لم تسلط عليها أضواء كافية يمكن أن تلفت الأنظار إليها بمثل القوة التي تلتفت بها إلى الدليل الجزئيّ المباشر. ويمكن أن يضاف إلى ما تقدم من دوافع"النظر الجزئيّ"عجلة المفتي ورغبته في الإفتاء فيما يعرض عليه من أسئلة دون تأخير تجعله يسرع إلى الدليل الجزئيّ، أي الآية التي يراها كافية في تمكينه من الإجابة على السؤال. فإذا فعل فإنه قد لا يلتفت إلى ما لا علاقة مباشرة له بموضوع السؤال. لذلك فإنه حين جاء لبحث"الدلالات"فإنه لم يضع شيئًا يشير إلى ضرورة النظر في سائر آيات الكتاب الكريم، بل حصر ذلك في أحوال"النص المفرد"فبحثُ الخاص والعام، والمطلق والمقيد، واللفظ الموضوع لمعنى واحد أو متعدد، والأمر والنهي، وصيغ العموم وصيغ الخصوص، ومقتضى اللّفظ والمفهوم، والمشترك والمؤول، والنص والظاهر والمفسَّر، والدال بالعبارة والدال بالإشارة، والدال باقتضاء النص، وكذلك المفاهيم - مفاهيم الموافقة والمخالفة، والشرط والغاية [2] وكل هذه مباحث تتعلق بالألفاظ المنفردة، أو دلالاتها وسائر العوارض الذاتية المتعلقة بها، وهي لا تنبه إلى ضرورة قراءة القرآن كله.
(1) راجع الحلقة الثانية من هذه السلسلة"الجمع بين القراءتين".
(2) كل هذه مصطلحات لمباحث أصوليّة، قد ترد في مباحث"علوم القرآن"في المطولات منها.