الصفحة 19 من 67

أما"جيل الرواية"الذي تسلّم الراية من"جيل التلقي"فقد استغرقه البحث عن الروايات وتتبُّعها وجمعها، فذلك هو التحدي الأكبر الذي واجه ذلك الجيل، وهو تحدّ لم يكن أقل خطورة من تحدي جمع الأمة -كلها- على مصحف واحد إمام. ذلك لأن القرآن المجيد كان مدوّنًا محفوظًا في الصدور والسطور وسائر الوسائل المتاحة التي سخرها منزّل القرآن الذي تكفّل بحفظه من بين يديه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته. كما تكفل بإقرائه لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وإقراره في صدره فلا يُنسى ولا يضيع ولا يُخترق. كما تكفّل بجمعه وقرآنه. وليس كذلك المرويات والسنن والآثار التي لم يدون منها في العهد النبوي إلا القليل النادر، وكان تدوينًا فرديًّا لم يخضع لمثل القواعد المنهجية التي خضع تدوين القرآن وجمعه لها، ذلك لأن المفروض فيها أن تدور حول القرآن دوران العلة والمعلول، والبيان والمبيَّن، فيحفظ ما اتَّصل بالقرآن منها، ويهيمن القرآن عليها، فلا تستقل عنه، ولا تنفصل عن مداره. ومع ذلك فقد استغرقت العمليَّات المشار إليها ذلك الجيل"جيل الرواية"بحيث انصرفت جهوده إلى جمع الروايات وتدوينها وتمحيصها وتصنيفها وجعلها ميّسرة لجيل الفقه وجيل النقد والميز والتحليل بعد ذلك.

أما"جيل الفقه"فقد انشغل بإنتاج الفقه، وتقعيد أصوله للاستجابة لمستجدات الحياة المتسارعة، وإعطاء الأحكام المناسبة للنوازل والوقائع لئلا تبقى واقعة من الوقائع دون حكم فقهي مكتسب ومستفاد من الأدلة الشرعية التفصيلية.

كما أن -هناك- من انشغل فيما عرف -آنذاك- بـ"الفقه الأكبر"الشامل لأصول الدين (علم الكلام) و (أصول الفقه) إضافة إلى (الفقه) ذاته.

لأن الفكر الفلسفي والمستجدات بدأت تفرض نفسها وتستدعي البحث والدراسة والتحديد، وجلّ تلك البحوث كانت تستدعي النظر في الدليل الجزئيّ التفصيليّ، لا في القرآن -كلّه- باعتباره مصدرًا منشئًا بكليّته ودليلًا كليًّا. ولم يكن خافيًا أن أهم طرائق ووسائل النظر فيه هي تلك التي ترد الجزئيَّ إلى الكليّ، وتنظر في الكليّ نظرًا مفاهيميًّا وتحليليًّا لتحقيق الاستفادة القصوى منه. ثم تربط ذلك ببيان السنة وتطبيقاتها، وبالكون وسننه انطلاقًا من منهاجية"الجمع"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت