الصفحة 5 من 67

قراءة القرآن المجيد ليست قراءة عادية، فهي لا تشبه قراءة أي نصّ منظوم أو منثور، كما لا يرقى لمشابهة القرآن أيّ نصّ آخر. فقراءة القرآن هي قراءة خاصة تقتضي من القارئ أن يكون قد هيَّأ نفسه وعقله وذهنه وقلبه ووجدانه تهيئة تامة لتلقيه وتلاوته تلاوة تلائم مقام القرآن وتناسبه، بحيث يكون القارئ مدركا تماما أنّه يقرأ كلمات الله ووحيه إلى الإنسان الرسول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- الذي قام بدوره بتلقي هذا الوحي ونقله إلينا قرآنا عربيًّا غير ذي عوج ولا ريب فيه، وصرنا حين نقرؤه نقرؤه دون وسائط خطابًا إلهيًا موجّهًا إلينا بشكل مباشر. فكأنك وأنت ترتّله تطوي الوحي الإلهيَّ في ثنايا قلبك وعقلك ووجدانك. فلكي نرقى إلى مستواه، ونعرج إلى عليائه فإن علينا أن نتدبر آياته، ونتلوها تلاوة، ونرتلها ترتيلًا، ونفكر فيها، ونتعقّلها، فإنه لولا تيسير الله له للذكر، لما أمكن للبشر المخلوق أن يمسّه، ويدرك شيئًا من آفاقه. إذ أنّ من شأن هذا القرآن أن لا يمسُّه إلا المطهّرون. من هنا أمرنا أن نعطي تلاوته"حق التلاوة". وحق التلاوة أمر عظيم لا يتيسر إلا بتوفيق الله - تبارك وتعالى-، والتواضع لجنابه، والاطراح على أعتابه.

وقد حذّر القرآن المجيد من كثير من أنواع القراءات التي تكون حجة على القارئ، لا حجة له. ومن أبرز أنواع القراءات التي شدَّد النكير على أصحابها"القراءة الحماريّة"وهي التي جاء التنبيه إليها والتحذير منها في الآية الخامسة من سورة الجمعة: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة:5) ، وليس هناك شيء أبلغ في نفي حقيقة القراءة وعدم الاستفادة بها من هذا المثل. فالحمار لا يقرأ ولا يكتب ولا يفكر ولا يتعظ ولا يتذكر. جوهر العلاقة بين الحمار والكتاب أن يوضع الكتاب على ظهره، ويسيّره صاحبه - بعد ذلك - يمنة أو يسرة كما يشاء، بل الحمار لا يدرك ما الذي يحمل، فضلًا عن أن يدرك أهميَّته إنّما يدرك منه ثقله أو خفته على ظهره. ولذلك فإنَّ هذا النوع من حمل الأمانة - أمانة الكتاب، لم يؤد بهم إلى فقه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت