التي اشتمل القرآن الكريم عليها حتى صار تبيانًا لكل شيء، ومعادلًا للكون وحركته بحيث يستوعب هذه الحركة ويتجاوزها فيمنح الإنسان القدرة «بالجمع بين القراءتين» على الإحاطة بها، واستيعابها وتجاوزها. وهذه الطاقة اللغوّية قد جاءت - والله أعلم - من ذلك التركيب المعجز، والبناء المحكم للقرآن العزيز بآياته وسوره: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود:1) . {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ } (هود:14) .
ولذلك كان القرآن المجيد معبرًا عما يقصد ويستهدف بنظمه وأسلوبه وسياقه ومواقع كلماته من آياته، ومواقع آياته من سوره، ومواقع سوره منه، وهكذا يتضافر كلّه على تحقيق ما هو مطلوب به، ولغة القرآن المجيد وإن كانت عربيَّة - بيد أنّها فوق أيّ نوع من أنوعها، فالأصوليُّون والفقهاء تتبدّى لهم لغة تشريعيَّة. والمفسَّرون يرون فيها لغة تأثيريًّة وجدانيًّة - من غير إخلال أو تعارض مع الاتجاه التشريعيّ في لسان القرآن.
واللغويُّون يستنبطون منها مناهج عقليَّة منطقيًّة، ومناهج تأثيريّة وجدانيَّة. والبلاغيُّون يرون فيها قمة في مراعاة مقتضى الحال، وتقديم الصور الفنيَّة البديعيَّة المعجزة. والمؤرخون يرون فيها تاريخ الخلق والكون والنبوات في غاية الأمانة والدقة، مع ملامسة الوجدان بحيث يتمثل التاريخ واقعًا قائمًا بأحداثه وأشخاصه ودروسه وعبره. فهو ينقلك من منطق عقليّ حاسم قد يؤدي بك إلى الحكم على تلك الوقائع وأهلها، إلى حكم أو منطق وجدانيّ يهيئك للاعتبار وتلقي الدروس وأمام كل تلك الطاقات الهائلة المتنوعة للّغة القرآن وجد المفسرون أنفسهم يبحثون عن نوع من الحماية من تلك الشلالات الهائلة المتدفقة بالمعاني الغزيرة المتنوعة فاتجهوا نحو الكلمات يلتمسون معانيها، ويحتمون بها بدلًا من"السياق والنظم والوحدة"التي تشكل الإطار لتلك الكلمات، وصوروا لأنفسهم أن الآيات والجمل والسور كلها مؤلفة من وحدات بسيطة متعددة هي الكلمات يضم بعضها إلى بعض لتعطي من مجموع معاني المفردات معنى مركبًا. وربما تصورت جمهرتهم أن الثبات على ذلك والانطلاق من المفردات سوف يؤدي إلى الثبات على ظاهر اللفظ والاحتماء به، وبذلك اتخذوا منه منهجًا لحماية الذات من مغامرة