الصفحة 53 من 67

السياحة في محيطات"السياق والنظم والوحدة البنائية". وأنَّهم بذلك لا يحمون أنفسهم فقط، بل يحمون النص كذلك من أيَّة إصابات قد تؤثّر فيه تأثيرًا سلبيًّا. وهم في ذلك متحوّطون. قد يكون من بعض ما استهدفوه غلق المنافذ أمام أولئك الذين يرون أنّ من حق أيّ مقارب للنص مهما كان أن يفهم منه ما يريد، وذلك عبث لابد من حماية النص القرآنيّ منه، فحماية النص حماية للحياة التي جاء النص ليعطيها مضمونًا وهدفًا وغاية. وللإنسان الذي نزل القرآن ليرشّد مسيرته في الأرض فيعطي الأمانة حقها، ويقوم بمهمة الاستخلاف، وينجح في اختبار الابتلاء. فمن شاء أن يقرَّر شيئًا من عنده فليقرَّر ما يريد بعيدًا عن النصَّ. إذ أنَّ القرآن المجيد أنزل ليقرأ وأمرنا بقراءته مرتين في أول خمس آيات أنزلت منه، ولكل نوع من نوعى القراءتين المأمور بهما منهج وسبيل، والقارئ الحقيقيّ لأيّ منهما - هو ذلك الذي يقرأ ويصغي لما يقرأ متجردًا مفتقرًا فيسمع من النص ما يريد النص أن يفصح عنه، وله بعد ذلك أن يحاور النص، ويستنطقه كما يشاء، ويثوَّره كما يريد، ويقلبه على مختلف أوجهه، ولكن من أجل أن يَنطقَ النصُّ نفسه، لا من أجل أن يُنطقَ النصَّ بما يريد، أو يضع على لسان النصَّ ما يشاء.

والنصّ القرآنيُّ ليس كأيّ نصّ، إذ هو نصُّ لن يبلغ قارئه منه ما يريد دون أن يتخلى عن سائر موانع فهمه وفي مقدَّمتها الهوى والعجب، وتكوين آراء وأفكار وأحكام بعيدًا عنه ثم الذهاب إلى النصّ القرآنيّ للبحث عن شاهد يشهد لما ذهب إليه من آياته، أو العناية بالألفاظ المجردة، وحسب استعمالات العرب لها.

فهذا النوع من المقاربات لا يمكن أن يفتح لها القرآن أبوابه؛ فأبوابه لا تفتح إلاّ لأولئك الذين يخضعون له، ويقاربونه ضارعين مفتقرين، مدركين لعظمته. فالقرآن المجيد وعاء النبوّات، ومستودع الرسالات، ومستقر خبرات الأنبياء والرسل وتجاربهم مع أممهم، تقبل على القرآن لتقرأ فيه ومنه، أو لتصغي إليه وتستمع فأنت بحاجة لأن تشعر بأنك مقبل على مواكب حاشدة من النبيّين والمرسلين تشكل - بجملتها - أمَّة واحدة عبر تاريخ البشريّة كلها تكونت، وأنّك حين تعايش القرآن تكون بين أيدي هذه الأمَّة من النبيّين والمرسلين من أولهم إلى خاتمهم - صلى الله عليه وآله وسلَّم - تتعلَّم الكتاب والحكمة، وتتزكَّى وتتطهّر في قلبك وعقلك ووجدانك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت