عربي أو وارد بغير العربية وعلى أي مستوى كان يتمتع بهذه الصفة عدا القرآن الكريم. إذ يستحيل على كتاب حتى لو بني بشكل موسوعة تبلغ عشرات، بل مئات المجلدات أن يستوعب"نبأ من قبلنا" [1] ، وما نبأ من قبلنا إلا تاريخ البشرية -كلها- وكل تفاصيل ذلك التاريخ؛ بشرًا وأشياءً وأحداثًا وعبرًا ودروسا.
ولولا هذه"الوحدة البنائية"لما استوعب القرآن"خبر ما بعدنا"حيث استوعب مستقبل البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ببيان السنن والقوانين التي تقود هذا المستقبل وتصوغه وتبنيه، فهو لا يحقق ذلك عليها بطريق التكهّن والنبوءات والرؤى والمنامات كما زعمت أمم سابقة. ولا بطريق قياس المستقبل على الحاضر وقياسهما بعد ذلك على الماضي كما يتخيل الماضويّون، بل بالكشف عن السنن والقوانين الحاكمة على البشريّة وحركتها، والتاريخ وحركته، والغاية التي يتجه الخلق -كله- إليها وفقا لتلك السنن والقوانين الصارمة. فهي قراءة علمية دقيقة للمستقبل لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يتطرق إليها الشك، فالله لا يهدي القوم الظالمين، ولا يهدي بهم. والظلم لا يختص بالطغاة بحيث يقضي المنطق أن يختص أولئك الطغاة بالعذاب، بل هو شامل عام في الحياة الدنيا، ونتائجه لا تستثني أحدا {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} (الكهف:59) ولا تختص بمن مارسوا الظلم الفعليَّ من الطغاة، بل تشمل أعوانهم ومؤيديهم، والمستسلمين لطغيانهم {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً} (الأنفال:25) . ولا يختص الظلم بعدم العدل في الحكم، بل يتجاوز ذلك بحيث يكون دركات - أعلاه الشرك {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:13) . ولذلك أمر الله الجميع بالتزوّد بالتقوى والتحصن بها، فذلك يمكن أن يوقف الظلم ويردعه. يضاف إلى ذلك أن القرآن يحمل القيم العليا الحاكمة والقواعد الدستورية والقانونية التي تقدم للبشرية مصدرًا واحدًا موحّدًا يشتمل على"حكم ما بينكم"بحيث يقضي على جذور وأسباب قيام النزاعات والاختلافات
(1) جزء من حديث عليّ رضي الله عنه الذي قمنا بتخريجه في بداية الحلقة الثانية"الجمع بين القراءتين"في هذه السلسلة فارجع إليه.