الصفحة 9 من 67

(هود:1) فالإحكام -هنا- من إحكام البناء بحيث يمتنع أي اختراق له لمتانته وقوته، ويدل عليه أو يدل له قوله تعالى: {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} (الحج:52) بحيث يمتنع على الشيطان أن يبلغ شيئًا منها، فهي لتطمين البشرية أن هذا القرآن محفوظ ومغلق بإحكام أمام كل محاولات الاختراق. ومنها محاولات الشياطين الذين وهم الجاهليّون أنهم قادرون على اختراق أي مجال فزعموا أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ... } (الشعراء:121) ويعضد ذلك قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} (آل عمران:4) أي ما لا يمكن أن تعرض فيه شبهة أو يتطرق إليها عارض يتيح لأهل الفتنة والذين في قلوبهم مرض استثمار ذلك على وجه الحقيقة، لأن كل ما قيل أو يقال منهم ضد هذا القرآن إنَّما هو من قبيل الشغب واللَّغو، وعلى هذا يكون المراد بهذا المركب"الوحدة البنائية"للقرآن: أن القرآن المجيد واحد لا يقبل بناؤه وإحكام آياته التعدّد فيه أو التجزأة في آياته، أو التعضية بحيث يقبل بعضه، ويرفض بعضه الآخر، كما لا يقبل التناقض أو التعارض وغيرهما من عيوب الكلام. فهو بمثابة الكلمة الواحدة أو الجملة الواحدة أو الآية الواحدة، وإذا كانت قد تعددت آياته وسوره وأجزاؤه وأحزابه؛ فذلك التعدد ضرورة لا غنى عنها في التعليم والتعلّم، والتنزيل لتغيير الواقع وإبداله. فلم يكن في مقدور الإنسان أن يستوعب قرآنًا يتصف بكل صفات القرآن جملة واحدة؛ بل عليه أن يأخذه أو يتبنَّاه باعتباره ذا وحدة بنائيَّة لا تختلف عن وحدة الكلمة في حروفها [1] ، ووحدة الجملة في كلماتها وأركانها، ووحدة الإنسان في أعضائه، ولو نزل مفرقا. ولذلك فهو حين تعرض في أذهان بعضهم بعض آفات الخطاب ترتد عنه خاسئة حسيرة حتى لكأن آياته تتراص فتصبح كالكلمة الواحدة في بنائه. فإذا مارس دوره في الهداية تفتّح واتسع ليستوعب كل ما لا تتحقق أهدافه بدون استيعابه، ثم يتجاوزها. وهكذا يستوعب فضاؤه كل الحادثات وسائر المستجدات وجميع الثقافات والحضارات وحاجات وتطلعات وأشواق بني الإنسان كافة. وليس هناك أي كتاب أو خطاب

(1) 1 (يرجى أن لا يفهم من هذا أننا ندعي إعجازًا في الألفاظ المفردة، وهو ما سنأتي إلى توضيحه فيما سيأتي، بل نريد أن نؤكد أن تلاحم الكلمات في الآيات وتناسبها، وتلاحم الآيات مع نظيراتها، ثم السور مع أمثالها شبيه بتوافق الأحرف داخل الكلمة الواحدة، ولا فرق من حيث التناسب والتوافق والانسجام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت