الصفحة 15 من 67

تتخاطبون به. إنه يتنزّل إليك تنزّلا من"رفيع الدرجات ذي العرش"الذي"يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق"- تلاقي ابن التراب مع ربّ الأرباب تنزّلا متعاليًا يتجاوز حتى سماواتك الدنيا، يتنزّل فقط ليكون في متناول فهمك ووعيك، يمكّنك من القيام بحق أمانتك، والنجاح في مرحلة ابتلائك واختبارك. وعلى ثقله الشديد ظل يتنزّل إليك حتى اصطفينا له رسولًا من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتّم، حريص عليكم رؤوف رحيم بكم، ليتلقّاه في مرحلة تنزّله الأخيرة ويجعله بين أيديكم، فينفعل قبلكم به حتى يصير مرآة تعكس سائر قيمه، ويمثلّه في سلوكه وتعامله أمامكم، ويتلوه عليكم فتسمعه آذانكم على محدوديّتها، وتفقهه قلوبكم على ضعفها، وتدركه أبصاركم على كلالها، وتخطّه أيمانكم على سذاجتها. فغركم منه هذا فتوهّم من توهم منكم أنه من جنس خطابكم، يأكل مما تأكلون منه، ويشرب مما تشربون، فحاولتم الهيمنة عليه بقوانين خطابكم، وقواعد لغاكم، وما تعارفتم عليه في اشتقاقات ألفاظكم وتصاريف كلامكم {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} (مريم:89،90) لقد غرّكم منه تنزّله فلم تدركوا حكمتنا في ذلك، وحال ذلك بينكم وبين الإحساس بعظمته وتعاليه وتجاوزه وهيمنته وإحاطته، فشددتموه إلى"مناسباتكم" [1] ، وظننتم أنه لم يتنزّل إلا إليكم، ثم جعلتم منه ناسخًا ومنسوخًا، وعاملًا فاعلًا ومعطّلًا، ومجملًا ومبيّنًا، ومطلقًا ومقيّدًا، ومتشابهًا ومؤوّلًا، ومتواطئًا ومشتركًا، وخاصًّا وعامًّا، وحقيقة ومجازًا [2] ، وأطلقتم ذلك في سوره وآياته دون تحفظ أو تردد، أو توكيد منكم على أن ذلك إنما هو بالنسبة لكم ولقدراتكم وأزمانكم ومحدودياتكم، وأنه لا يمثّل حقيقة القرآن في ذاته بقدر ما يمثّل زوايا النظر منكم إليه.

لقد قطّعتموه بذلك أعضاءًا وأجزاءًا، ولم تنظروا إليه باعتباره يمثّل نجومًا في سماء واحدة، فهي نجوم بها تهتدون، وليست نجومًا بها تتحكمون.

(1) نريد بذلك"أسباب النزول".

(2) هذه كلها من المصطلحات الشائعة في كتب"علوم القرآن"و"أصول الفقه"ولكل منها رسمه وتعريفه فليرجع من أراد الإطلاع على تعريفات هذه المصطلحات إلى تلك المظان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت