والخصائص، ينتظم حروفه وكلماته وآياته وسوره سلك واحد. والقرآن واحد في كونه متفرَّدًا من تلك الحيثيَّة، ومن حيث الأهداف والمقاصد والغايات والآثار حتى ليبدو في ذلك -كلَّه- كما لو كان كلمة واحدة، أو جملة واحدة. لأن الواحد -في الحقيقة- ما لا جزء له البتة؛ فلا يقبل"التعضية"أي: التقسيم إلى أعضاء، ولا يقبل التحويل والتغيير والتبديل فيما يتألف منه.
والواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه:
فيستعمل لما كان واحدًا في الجنس أو النوع مثل أن يقال:"الإنسان أفضل من الحيوان". أو فيما هو أهم بحيث يراد به جنس الإنسان وجنس الحيوان، فإذا قلت: زيد وعمرو واحد، أردت بذلك وحدتهما من حيث الانتماء إلى نوع واحد هو"الإنسان".
ويطلق على ما كان واحدا من حيث الخلقة، كأن تقول:"شخص واحد"أو من حيث الصناعة، كأن تقول:"حزمة واحدة".
ويطلق على ما كان واحدًا لعدم نظيره، إما في الخلقة، كأن يقال:"الشمس واحدة". وإما في نسبة الفضائل إليه، كأن يقال:"فلان وحيد دهره، ونسيج وحده". ويقال لما كان واحدًا لامتناع تجزؤه، أو امتناع تعضيته لصغره، أو لصلابته، أو لأنَّه غير قابل للتجزئة بطبيعة تكوينه.
ويقال لبداية العدد (واحد) وهو ما فوق الصفر ودون الاثنين.
وإذ وُصف الله -تبارك وتعالى- به أريد أنه لا يصح عليه التعدّد والتجزي والتكثُّر؛ فهو واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله وفي ألوهيَّته وربوبيَّته.
والقرآن واحد في جنسه ونوعه ونظمه وتحديه، وفرادته وإعجازه. لا يقبل التكثُّر ولا التعدّد ولا التعضية ولا التجزؤ. لا يشاركه في خصائصه وصفاته ومنهجه كتاب آخر؛ لا منزل ولا موضوع. وذلك هو مرادنا بـ"وحدته"من هذه الحيثيَّة.
أما"وحدته البنائيَّة"فقد أردنا بها أنه بكل سوره وآياته وأجزائه وأحزابه وكلماته يعتبر كأنه جملة واحدة.
وأما وصفنا لهذه"الوحدة"بـ"البنائيَّة"أو إضافة هذه"الوحدة"إلى"البنائيَّة"فقد أردنا به الإشارة إلى ما يدل عليه قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}