ومع ذكره -رحمه الله- لهذه الأسباب الثلاثة المنافية للوحدة، أو المانعة من القول بها فإنه قد عقّب عليه بقوله:"... لو عمدنا إلى سورة من تلك السور التي تتناول أكثر من معنى واحد -وما أكثرها- وتتبعناها مرحلة مرحلة، وتدبرناها كيف بدئت وكيف ختمت، كيف تقابلت أوضاعها وتعادلت، وكيف تلاقت أركانها وتعانقت ... لو تدبرنا ذلك لوجدنا ائتلافًا وتناسبًا بين المعاني والمباني، ولبدت لنا السورة وكأنها نزلت في نجم واحد" [1] . فأنت تراه مع ملاحظته لما يصلح اعتراضًا مستدلًا عليه من النافين إلا أن النتيجة التي بلغها كانت مغايرة. ثم بيّن لنا التناسب والترابط والائتلاف في أطول سور القرآن وأكثرها نجومًا، وأغناها تنوعًا في الموضوعات - وهي سورة البقرة.
ثم يعزز ما قرّره في ذلك الفصل القيم من كتابه بما نقله عن الأئمة أبي بكر النيسابوري، وفخر الدين الرازي، وأبي بكر بن العربي، وأبي إسحاق الشاطبي، وبرهان الدين البقاعي بقوله:"إن السورة وإن تعدّدت قضاياها في كلام واحد يتعلّق آخره بأوله وأوله بآخره، ويترامى بجملته إلى غرض واحد، كما تتعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة. وإنما لا غنى لمتفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا غنى عن ذلك في أجزاء القضية"- يريد القضيّة المنطقية، وهي عبارة عن جملة واحدة.
ولنعد للتدليل على ما بدأناه من التوكيد على أن"الوحدة البنائية"ليست مزيّة تتحلى بها كل سورة لوحدها وبحسبها فقط، بل هي قضية قائمة بالقرآن كله. فالقرآن -كله- كالكلمة الواحدة، والجملة الواحدة. في كل سوره وأجزائه، يتسع حتى يصبح كونًا يعادل الكون -كله- بل يستوعبه ويضمّه تحت جناحيه، ويَدِق حتى تراه كأنّه كلمة واحدة لكنَّها عين جارية لا تتوقف ولا تغيض ولا تغور ولا تنضب في المعاني التي تشتمل عليها، والصور الرائعة المثيرة التي ترسمها في ذهن السامع، والآثار الهامة التي تتركها في نفسه.
(1) راجع: النبأ العظيم، عبد الله دراز، فصل: القرآن في سورة سورة منه- الكثرة والوحدة، ص 142 - 163. وقد قدم -رحمه الله- في هذا الفصل منهجًا للكشف عن وحدة السورة قدم به لدراسته للوحدة البنائية في السورة التي اختارها نموذجا تطبيقيا كشف به عن الوحدة في سورة البقرة. وراجع مقارنا: التناسب البياني في القرآن، د. أحمد أبو زيد، ص 49 - 51 لتجد قراءة د. أبو زيد لجهود د. دراز وتلخيصه لمنهجه التطبيقي كما برز في سورة البقرة.