الصفحة 29 من 67

كان لنا عليها ملاحظات- لأن همّنا -هنا- منصرف إلى التدليل على ولادة فكرة"البحث الموضوعي"في القرآن تفسيرًا أو أحكامًا. ولنا أن نتوقع ما يمكن أن يؤدي إليه ظهور هذه الفكرة من تداعيات. فإن كثيرًا من الأفكار الهامة تبرز - في بعض الأحيان- في إطار أفكار أخرى وبذورها قد تنبت في غراس تلك الأفكار.

وأما"النظم"الذي تبلور حتى صار"نظرية"هامة فيما بعد فإن بذوره الأولى تبدو في إطار البحث في تأثير القرآن بالذين آمنوا به، أو أولئك الذين صدّهم عن الإيمان به ما كانوا يدعون من دون الله. فقول الوليد بن المغيرة المخزومي آنف الذكر، وقصة إسلام عمر بعد استماعه وقراءته لبعض الآيات، وقصة أبي سفيان والأخنس بن شريق وأبي جهل وكيف كانوا يتسللون تحت جنح الظلام، وكل منهم يحسب أنه وحده، ليستمعوا إلى قراءة أبي بكر للقرآن. واتفاق قريش على الحيلولة بين الناس وبين الاستماع لآي القرآن: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت:26) وتأثيره فيمن استمع إليه من الجن. كل تلك الأمور المستفيضة يمكن أن تملأ مجلدات حيث لم يخل عصر من العصور أو جيل من الأجيال من وقائع وأحداث ترتبط بتأثير القرآن في سامعيه وقارئيه تأثيرا لم تعرف البشرية ما يقاربه منذ بدء الخليقة. ولا شك أن هذا التأثير لم يحدث عن حروف مقطعة، أو كلمات مفردة منفصلة [1] ، بل عن آيات منتظمة كانت تنزل نجومًا بحيث يُضَمّ النجم إلى النجم لتتشكل السورة. فالتأثير الحاصل يتأتى من ذلك التناسق والنظام الرابط للآيات الكريمة، فتبدو -آنذاك- فصاحة الكلمات، وبلاغة الآيات، ودقة المناسبات، وروعة النظم التي تبهر البلغاء وتتحدى الفصحاء. لكن ذلك التأثير لم يعبر عنه جيل التلقي بما عرف - بعد ذلك- من أوصاف تتحدث عن النظم والتناسب ووحدة الموضوع أو وحدة السورة وما إليها بحيث تشكل نظريَّات علميَّة في فهم القرآن، وحسن إدراك مقاصده ومغازيه أو تنتج على الفور علومًا بلاغيَّة مثل المعاني والبيان والبديع ونحوها.

(1) يقول عبد القاهر الجرجاني:"... فقد اتضح اتضاحًا لا يدع للشك مجالًا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ، ولا من حيث هي كلم مفرد ..."دلائل الإعجاز، ص 50. ولم يوضح لنا ابن العربي من أراد بذلك العالم وربما أراد نفسه، ولم نطلع على ما كتبه حول سورة البقرة لنقارن بينه وبين جهد دراز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت