الصفحة 61 من 67

والآخرة. يعلن الحرب على أولئك الذين سيستمرون في تعاطيه، ولا يتخلون عنه، ويختم ذلك بالتذكير بيوم الرجوع إلى الله حيث توفى كل نفس ما كسبت بجزاء عدل يتناول الذرة وما دونها.

لينتقل السياق بعد ذلك إلى"الدّيْن"الذي هو مظنَّة التنازع بين الناس والاختلاف حوله لتزكية النفوس وتطهير المجتمع من عامل من أهم عوامل النزاع و الاختلاف، فتقدم الآية مجموعة من الضوابط والآداب المتعلقة بكتابة الدين و الإشهاد عليه، ومنع الإضرار بالشهداء والكاتبين، ثم تختم الآية بأمر بالتقوى حيث أن بعض جزاء ذلك أن يتواصل تعليم الله لكم ما ينفعكم وما أنتم في حاجة إليه. فعلمه لا ينفذ وهو بكل شيء عليم. وهذا الربط بين الصدقة والربا والدّيْن يقدم أروع الصور عن الطرق المتّبعة في تداول المال وعلاقاتها بالتوحيد، والإيمان بأنّه تعالى المالك الأوحد لكل شيء.

ثم تقدم الآية الأخرى بعض البدائل عما تقدم في آية الدين من وصايا في حالة السفر، وهو"الرهن المقبوض"، وتؤكد على سائر الأطراف أن لا يفرط أيّ جانب في ثقة من ائتمنه، وأن لا يكتم شاهد الشهادة، فمن فعل فإنّ قلبه سوف يكون الآثم، ولعل فيه إشارة لطيفة إلى عذاب الشاهد النفسيّ إذا كتم الشهادة، وفوّت ذلك الكتمان الحق على من يستحقه، ومنحه من لا يستحقه. وفي هذا التعبير -أيضًا-كثير من الحكم البالغة؛ إذ أن تخصيص القلب بتحمّل الإثم دليل على أن تأثير المخالفة لهذه الوصايا سوف يصيب الإنسان في أخطر عضو فيه ألا وهو القلب، والإثم إذا أحاط بالقلب فذلك هو الذي سوف يحجبه عن الرؤية، ويحول بينه وبين أدائه لوظائفه في استقبال الهداية والقدرة على الاستبصار وما شاكل ذلك.

ثم تأتي خاتمة هذه السورة الكريمة لتؤكد على التوحيد مرة أخرى مع التحذير من محاسبة الله لعباده عما يظهرون وعما يخفون في حنايا الضمائر، وأنّه المتفرد سبحانه بأمر المغفرة والعذاب في إطار مزيج من الحث والحض والترغيب والترهيب.

فإذا بلغت حالة الرَهَب والتوتُّر مداها تأتي خواتيم السورة لتؤكد مرة أخر على الإيمان والتوحيد وأنّ المؤمن مصاحب وما وافق، حين يؤمن للرسول المؤمن - صلى الله عليه وآله وسلَّم - الذي هو قدوة المؤمنين بالإيمان، ولجميع مواكب المؤمنين منذ بدء الخليقة، فهو لن يقف - وحده - معزولًا مهما حاصره الكافرون والمشركون بل هو ذو نسب في المؤمنين عريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت