الصفحة 60 من 67

ثم يأتي مثال آخر يدور حول ذلك الذي رأى قرية مواتًا فأبدى استبعاده أن تعود لها الحياة، ولعلاقة هذا الاستبعاد بقضية البعث أماته الله مائة عام ثم بعثه ليكون لنفسه ولمن خلفه آية، وليرى الكيفيَّة التي يتم بها البعث، وإعادة الحياة فيها.

وحين استبعد ذلك الذي مر على قرية إعادة الحياة للقرية بعد أن أصابها التلف. يأتي مثل آخر لمؤمن يتمتّع بتمام الإيمان بالبعث، لكنّه كان يريد أن يرى الكيفيَّة التي يتم البعث فيها ليطمئن قلبه مع الإيمان المجرد برؤية الكيفيّة ومشاهدتها، ذلكم هو سيدنا إبراهيم عليه السلام. ثم ينتقل المشهد إلى عمل من أعمال البر التي تعزز الإيمان، وتنمي التوحيد، وهي الإنفاق في سبيل الله. فالإنسان لا يتصور أنّه يستطيع العيش بدون المال، ولذلك فهو من أهم ما يتعلّق الإنسان به، ويحرص عليه، فمطالبته بإنفاقه اختبار من الله لإيمانه ولتوحيده، وتحرير له من الشح الذي أحضر الأنفس فتقدم لنا الآيات من (261) إلى (274) ترغيبًا كبيرًا وحثًا شديدًا على الإنفاق في سبيل الله - تعالى - وبيانًا لآداب ذلك الإنفاق، وتقديم صور غاية في الروعة لمن ينفق في سبيل الله دون أن يشوب إنفاقه بشوائب المن والأذى وما إلى ذلك من خصال تعبّر بشكل أو بآخر عن إحساس داخليّ بعدم الرغبة في الإنفاق، وغياب الإحساس بأنّه مستخلف في هذا المال، لا مالك على سبيل الحقيقة، ولا على سبيل الخلق والتسخير، ليظهر الفرق بينهم وبين أولئك الذين ينفقون من طيبَّات ما كسبوا و بنفوس طيبَّة باذلة تدل على أنهم تخلصوا من الشح، وخرجوا من دائرته. وآمنوا بالمالك الحقيقيّ. وخلال ذلك ينبّه إلى أن الشيطان هو الذي يأمر الناس بالبخل والإمساك عن الإنفاق، أو إنفاق الخبيث إذا لم يستطع الحيلولة بين الإنسان والإنفاق. وهو الذي يصور الإنفاق سلوكًا لسبيل الفقر. فالأمر إذًا دائر بين طاعة الله وطاعة الشيطان، بين الإيمان بالله، وبين الإيمان بالجبت والطاغوت.

وبعد أن يفرغ من بيان الإنفاق في سبيل الله، حقيقته وضرورته وآدابه، وعلاقته بالتوحيد وسائر ما يتعلق به؛ ينتقل إلى ضده وهو"الربا"فالمنفق المتصدَّق يعطي المال في سبيل الله لا يبتغي إلاّ ثوابه ورضاه. والمرابي يستغل حاجة المحتاج ليزيده حاجةً وفقرًا حينما يدفع إليه مالًا ليربو في ماله. فيبيّن بشاعة هذه الصورة بذات القدر الذي بيّن فيه جمال صورة الصدقة والإنفاق في سبيل الله. وبعد أن يبلغ الغاية في تقبيح الربا والتنفير منه، وبيان مضاره في الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت