تؤكد الآية (255) أن كل ما تقدم آيات من آيات الله تتلى على رسوله بالحق مع التأكيد على أنه من المرسلين فنفي هؤلاء لرسالته وجحودهم بها لا يغير من هذه الحقيقة شيئًا. ثم يبيّن له التفاضل بين الرسل وكيف فضل الله بعضهم على بعض، واختص الله بعضهم بفضائل لم يعطها لآخرين منبّهًا إلى تفضيل رسول الله على من سبقه، وإن كان الرسول الأخير وخاتم النبيّين.
ثم يعيد التأكيد على الإنفاق في سبيل الله بصيغة مغايرة للصيغة التي وردت في الآية (245) ؛ إذ في هذه الآية (254) يغلّب جانب التحذير الشديد من عدم الإنفاق، لا جانب الترغيب، تعقبها آية الكرسيّ التي تعود لتوكيد التوحيد بشكل في غاية القوة فالله لا إله إلا هو، والله هو الحي القيوم الذي لا يشبه عباده أو خلقه في شيء فلا تأخذه سنة ولا نوم، وكل ما في السماوات والأرض ومن فيهنّ له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه؛ إذ حين ذكر تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض قد يتوهم بعض أتباعهم أن شفاعة أنبيائهم لهم سوف تخلّصهم وتنجيهم من عذاب الله، حتى لو لم يؤمنوا بخاتم النبيّين، أو أنّها ترفع عنهم مسؤولية ما صنعوا فنفى الشفاعة عن الجميع إلا بإذنه، ليدرك هؤلاء أنّه سبحانه إليه يرجع الأمر كله، وأن هؤلاء الأنبياء لا يحيطون إلا بما شاء، وأن كرسيه سبحانه قد وسع السماوات والأرض، وأن حفظهما لن يصعب عليه ولن يثقل. ومع ذلك فلن يكون هناك إكراه منه لأحد على التوحيد وعلى الدين فللناس الحريّة بأن يؤمنوا بالله ويكفروا بالطاغوت، أو يعكسوا ذلك، لكن عليهم أن يدركوا الفرق بين الاثنين. وبين توليه للمؤمنين ورعايته لهم فهو يخرجهم من الظلمات إلى النور، في حين أن أولئك الذين اختاروا الطاغوت سيخرجونهم من النور إلى الظلمات، ويكون مآلهم الخلود في النار.
ثم يورد مثالًا ونموذجًا لحجاج بين نموذج ومثال إيمانيّ عال ونموذج للطغاة، وكيف ينهزم الشرك والكفر أمام منطق الإيمان في جدل حول تحكم ظاهريّ في مصير الإنسان، وعجز كامل عن التأثير في مسار الطبيعة ففي الإنسان قد يتمكن الطغاة من مصادرة الإرادة وحريّة الاختيار أما في الطبيعة المسخرة فإنّهم لا يملكون تغيير قوانينها وسننها.