الصفحة 41 من 67

أبى جوده لا البخلَ واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قائله

شاهدًا، وذكر أقوال العلماء في تفسير البيت، وأقوالهم في كلمة (لا) فيه، فنقل فيما نقل قول أبي علي الفارسي في كتابه (الحجّة في القراءات) نقلًا عن أبي الحسن الأخفش قوله: فسّرته العرب (أي البيت) : أبى جوده البخل، وجعلوا"لا"حشوًا. نقله عن الأخفش. ثم قال الشارح: وكما اختلف في"لا"في هذا البيت: أنافية أم زائدة، كذلك اختلف فيها في مواضع من التنزيل، أحدها قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} (القيامة:1) فقيل: هي نافية، واختلف في منفيِّها على قولين: أحدهما أنه شيء تقدم - وهو ما حكى عنهم كثيرا من إنكار البعث، فقيل لهم: ليس الأمر كذلك، ثم استؤنف القسم؛ قالوا: وإنما صح ذلك لأن القرآن -كله- كالسورة الواحدة، ولهذا يذكر الشيء في سورة وجوابه في سورة أخرى، نحو: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (الحجر:6) وجوابه: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} (القلم:2) . وبعد أن فرغ من ذلك عاد لتوكيد ما نقله عن أبي علي الفارسي من أن القرآن كالسورة الواحدة. [1]

والذي يهمنا من هذا النقل المطوّل نسبيًا أن"وحدة القرآن البنائية"وأنه -كله- كالسورة الواحدة كانت أمرا معروفًا ومتداولًا في القرن الخامس الهجري، وأنها كانت بحيث يستفاد بها في التفسير والتأويل، وتوجيه بعض النصوص. وأن الحديث عنها لا ينحصر في دائرة بيان فضائل القرآن فحسب. بل هي مدخل منهاجي في التفسير والتأويل، وتوجيه النصوص التي تثار حولها إشكالات لغويَّة ونحويَّة. علمًا بأن هذا المنهج القائم على النظر إلى القرآن في وحدته هو ما علَّمنا إياه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- من كل ما أثير من أسئلة واستشكالات في عهده، والتي عرفت بعد ذلك بـ"تفسير القرآن بالقرآن".

وعلوم القرآن -مثل غيرها من علومنا ومعارفنا الإسلامية- أصابها التّوقف بعد تلك المرحلة. فلم تأخذ مدياتها واستمراريتها التي كان من الممكن أن تمنحها الامتداد والتوسع،

(1) راجع: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الأنصاري، وحاشيته للشيخ الأمير، 1/ 185. وقد مرّ كيف علمهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هذا المنهج في القراءة، فتأمل!!! هذا وقد مرت إشارتنا إلى تحفظ العز بن عبد السلام، وابن عاشور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت