-هو أمر في غاية الأهمية لوصف الكلام"بالبليغ المحكم". وقابلية الألفاظ لذلك تكون أحيانًا بطبيعة الوضع اللُّّغوي كما في الألفاظ التي عرفت بـ (المشتركة) ، وأحيانًا بطبيعة النظم والتركيب والسياق، أو الهيئة التي ركب الكلام عليها. فالمعاني أعم من أن تكون الدلالة عليها بالبناء اللّفظيّ وحده، أو أن تكون مفهومة بالفحوى، والمفهوم بأنواعه، أو مما يستلزمه اللَّفظ ويستدعيه بطريقة عقليَّة، أو يرمز إليه رمزًا، ويشير إليه إشارة بلحن الخطاب وإشارته انطلاقًا من المفردات أو من التركيب أو السياق أو الأسلوب.
وأيًا ما يكون الأمر فإن قدرة المتكلم على إثراء معاني أقواله يتوقف على قدرة فائقة على اختيار الألفاظ، ومهارة في تركيب الجمل، وبناء الأساليب، ودربة كبيرة على صياغة التراكيب، وحسّ شفاف بالتناسب، وملكة في حسن التنسيق بين الجمل ونظمها، وعلم بما يريد إيصاله إلى المخاطب، ووعي بالأفكار التي يهدف إقرارها في نفسه، والصور التي يريد رسمها في ذهنه، والدواعي والدوافع التي يريد غرسها في عقله ووجدانه. فلا غرابة أن يقول تبارك وتعالى في كتابه العزيز: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود:1 - 2)
وقد خصّ ابن قتيبة ذلك في كتابه القيم (تأويل مشكل القرآن) بجملة فصول كرّسها لبيان مزايا مفردات القرآن؛ ففي (باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة) تناول ألفاظ: الأمة، والدين، والعهد، والهدى، والضلال، والظلم ... ومفاهيم قرآنية كثيرة أخرى تناولها فيما يزيد عن خمسة وأربعين صفحة كانت بمثابة مشروع معجم لمفاهيم القرآن أو مصطلحاته أو مفرداته. وقد يكون الراغب الأصفهاني الذي جاء بعده بما يزيد عن قرنين من الزمن قد استفاد فكرة كتابه الفريد (المفردات) من فعل ابن قتيبة ذلك. ولكن ابن قتيبة وأستاذه الجاحظ، وأستاذ الجاحظ النظّام كان قصارى جهودهم أن يثبتوا أن القرآن المجيد نزل بأساليب العرب، وحاكى أوجه كلامهم وإعرابهم عما يريدونه، وتفوّق عليها وجاوزها بمراحل. ويمكننا القول بأننا إذ نسلم بأن القرآن جاء بأساليب العرب في كلامها، لكنه قد استوعب تلك الأساليب وتجاوزها- فالمموّه من المعادن بالذهب، أو بماء الذهب قد يبدو للجاهل بالصنعة ذهبا، لكنه لدى الفحص يتبيّن ما هو ذهب حقيقي، وما هو معدن آخر مموّه بالذهب.