الصفحة 23 من 67

عليه الصلاة والسلام. واشتهر من قراء الصحابة في تناول التفسير علي بن أبي طالب وابن عباس -رضي الله عنهم- وهما من المكثرين من التفسير، يليهم زيد بن ثابت وأبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهم. وحين دخل في الإسلام أقوام من غير العرب، ومن الذين لم تكن العربية لسانهم الأصلي اشتدت الحاجة إلى التفسير لبيان معاني القرآن لهؤلاء. ومع انتشار التفسير وكثرة المفسرين، وتنوّع التفسير بعد ذلك إلى أنواع ليكون تفسيرًا بالأثر، وتفسيرًا عقليًّا، ثم ظهر التفسير الإشاري. إلا أننا لا نجد حديثًا يذكر عن"الوحدة البنائية"أو يتداول في مدارس التفسير. ومنها مدارس"التفسير الموضوعي"حيث عني الفقهاء بجمع وتحديد آيات الأحكام المتعلّقة بقضية محدّدة أو موضوع واحد، لكن لم يلفت ذلك الأنظار إلى الروابط المتينة بين ذلك الموضوع وآيات وسور الكتاب الكريم الأخرى. كما أن تفسير القرآن بالقرآن لم يؤد إلى بروز"نظريّة الوحدة البنائيّة"مع أنّه منهج في التفسير الذي بدأه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- في نحو ما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال":"لما نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ... } [الأنعام:82] شق ذلك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وقالوا: أينّا لم يلبس إيمانه بظلم! فقال: ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] " [1] . وأخرج البخاري"أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فسَّر مفاتح الغيب في قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ... } [الأنعام:59] فقال -صلى الله عليه وآله وسلم-:"مفاتح الغيب خمس: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34] " [2] . ولو أن هذا المنهج النبوي ساد وانتشر، وتبنَّاه جيل الرواية وجيل الفقه لبرزت «الوحدة البنائيّة» ، وحظيت بالاهتمام اللازم منذ تلك العصور.

(1) رواه البخاري في استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين، رقم: 6538، ومسلم في الإيمان، باب صدق الإيمان وإخلاصه، رقم: 124

(2) رواه البخاري في تفسير القرآن، باب {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} ، رقم: 4351

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت