الصفحة 56 من 67

هؤلاء الذين يشركون مع الله هذه الآلهة المزعومة العاجزة والضعيفة. إن هذا المثل وإن وظًّف الذباب بكل ضآلة شأنه، لكنّه لا شيء آخر يمكن أن يؤدي دور الذباب في رسم هذه الصورة؛ لذلك فإن الله لا يستحي أن يضرب مثل هذه الأمثلة لآلهتهم التافهة الحقيرة لتتضح لهم أوجه ضعفهم وسفاهتهم وتهافت تفكيرهم.

ثم يوجه لهم استفهامًا إستنكاريًّا يستنكر كفرهم، مع وجود كل ما يدعو إلى الإيمان، بل يحمل عليه. ويوصل ذلك بقصة الخلق - خلق البشر ليوضح بها ضرورة الإيمان للبشر الذين كانوا أمواتًا فأحياهم، والإيمان حياة لقلوبهم لا يستكملون صفات الأحياء بدونه. فكأن آيات الخلق تفصيل لهذا الإجمال. إضافة إلى خلق السماوات والأرض.

وبعد أن بيّن كيف أزل الشيطان آدم وزوجه بالمعصية فيما دون الكفر، ورحمة الله بهما، والتوبة عليهما. بدأ بذكر فصيل هام من ذريَّته وهم بنو إسرائيل- الذين أشبهوه في الانحراف، ولم يشبهوه في التوبة مع توافر كل وسائل الهداية والصلاح لهم من النبوة والشريعة. ويتناول بتفصيل مناسب كيف منَّ الله - تعالى - عليهم بسائر وسائل الهداية والكتاب، والآيات، والتسخير وأعطاهم سائر الوسائل التي تعينهم على الاستقامة على الطريقة، - لو شاؤوا- ومع ذلك فقد انحرفوا وضلوا حتى فقدوا صلاحيَّتهم لأن يكونوا من المصطَفَيْن الذين يصلحون أن يكونوا نموذجًا لأمم العالم. فنسخت آية اصطفائهم، وأبدلوا بخير منهم - أمَّة أخرى تصلح أن تقدَّم للبشريَّة نموذجًا ومثالًا يقتدى به، ويلتف حوله. وبذلك نبلغ الآية (106) . ثم يأتي نجم أو وتد آخر بذكر تفاصيل أخرى عن انحرافات بني إسرائيل مع تحذير الأمَّة البديلة لهم، أو أصحاب الآية التي مثلّت خيرًا منهم ومن الآيات التي جاءتهم من أن يسلكوا سبيلهم. حتى تبلغ السورة قصة سيدنا إبراهيم الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل ويزعمون أنّهم ورثة رسالته، وحين بشّره الله - تعالى - بإمامته للناس سأله جل شأنه: أن تكون في ذريّته من بعده فقال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ، وفيه إشارة إلى أولئك الذين تلبَّسوا بما ينافي التوحيد عدة مرات منها: اتخاذهم العجل ودعوتهم موسى ليجعل لهم إلهًا كالمشركين، وقولهم: عزير بن الله ... والشرك ظلم عظيم، فإذًا لا ينال عهده هؤلاء حتى لو انتسبوا إليه بانتسابهم إلى إسحاق ويعقوب أو «إسرائيل» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت