عرف المسلمون النصر والعزة تحت هذه الراية قرونًا، ثم إنها سقطت من أيديهم فاستبدلوا بها راية جاهلية شوهاء فذاقوا الهزائم والنكسات ولحقهم العار في كل جولة، وكان عليهم أن يفطنوا أن من تخلى الله عنه لم يبال به في أي واد هلك.
لقد علم اليهود أن المسلمين أشد بأسًا وأقوى مراسًا بتمسكهم بكتاب ربهم، وكأنهم انتبهوا إلى ما في القرآن من قول الله تعالى {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا} فعمدوا إلى أعدائهم المسلمين وراحوا يزحزحونهم عن كتابهم ليسهل استحمارهم، فتزحزحت جموع المسلمين، فأصبحوا إذا قاتلوا لم يجدوا هوية تدفعهم ولا راية صافية ترفرف فوق رؤوسهم وتمدهم بوهجها وحماسها، لقد عزلوا الإسلام عن المعارك، وفقدوا الراية الإسلامية، فكأنهم فقدوا أرواحهم.
وبينما يستميت العدو اليهودي في التشبث بهويته اليهودية ويعلنها في اعتزاز واستعلاء، نرى استخذاء المسلمين من إعلان هويتهم الإسلامية فإنهم كانوا يقاتلون تحت راية القرآن، فأمسوا يقاتلون تحت راية عُمِّية جاهلية؛ كالقومية العربية حينًا، ومن أجل الأرض حينًا آخر، أما الإسلام والفتح الإسلامي والمقدسات فكلها معاني ماتت عندهم، ولهذا كانت الهزائم هي الحصاد العلقم على مدى خمسة عقود خلت.
كانت جيوش الفاتحين الأولين تتميز بالصلاح والطاعة والذكر والمحافظة على العبادات حتى إنهم ليصلون في المعارك صلاة الخوف، أما جيوشنا العصرية فلا أثر للإيمان فيها إلا القليل الباهت، فبينما كانت التعبئة المعنوية تقوم على العقيدة الراسخة وهدايات القرآن والذكر، باتت التعبئة في جيوشنا بحفلات الغناء وميوعة الفنانات على الجبهة بين الجنود والضباط الذين تعودوا الفرار إذا حمي الوطيس، إذ الفرار هو النتيجة الطبيعية لتعبئة الفاسقات.