فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 544

على أن ما جاء من رئاساتها، مما تعيَّن علي العبد القيام به، إذا كان ممن وهبه الله تعالى العلمَ، والصلاح، وقوة النفس، فعليه أن يقوم حيث أقامه الله تعالى، خدمةً للدين، وإصلاحًا للناس، ولا يقول: أزهد في الرياسة لما فيها من وجاهة، وزينة، وما تدعو إليه من التفاخر والكبر، بل يقبلها إن علم في نفسه مقدرة على الإصلاح والنفع، والسلامة من الظلم، والسكوت عن المنكرات، ونحو ذلك مما يضره في دينه، فإن خشي وقوع شيء من ذلك فلا يقبل، فالعاقل الموفق لا يعدل بالسلامة في دينه شيئًا، ولهذا قالوا: إنما الزهد في القلب، كما أُثر عن غير واحد من سلفنا الصالحين.

فحُسْن التوكل على الله تعالى، وصدق اليقين به سبحانه هو عين الغنى، فمن تحقق من ذلك كان زاهدًا، وكان غنيًا، وإن خلت يدُه من فضول الدنيا.

وليس وجود المال مع المرء مانعًا ومعارضًا لأن يكون زاهدًا في الدنيا، بل إنه يكون من الزاهدين إذا اكتسب ماله من الحلال، وأنفقه في محابّ الله، فوصل منه أرحامه، وأحسن إلى جيرانه، أو جهّز غازيًا، أو خلفه من هذا المال في أهله بخير، أو غير ذلك من وجوه البر والإحسان، فهذا زهد الراشدين العالمين؛ لا زهد الجاهلين، وقد سئل الإمام أحمد عمّن معه مال: هل يكون زاهدًا؟ فقال: إن كان لا يفرح بزيادته، ولا يحزن بنقصه.

ومراد أحمد رحمه الله، التنبيه على ألا يكون المال فتنة ينشغل المرء به؛ فيذهب معه عقله حيث ذهب، فيدور حول المال سرورُه وأحزانه، فينسى أمر الآخرة.

أما إذا فرح بالمزيد من الربح في تجارته لما يُمَكِّنه ذلك من زيادة العمل الصالح، والتقرب إلى الله تعالى، ففرحه بهذه النية هو من العمل الصالح، وكذا حزنه على تلف ماله، الذي يستغني به عما في أيدي الناس، ويكتفي به عن الوقوف بأبواب السلاطين، فيصون دينه عن النقص، فحزنه هذا ليس مذمومًا، بل المذموم ما كان حزنًا مجردًا على فوات الدنيا، لشدة تعلقه بها. وقد روي أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت