فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 544

ويبين ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (9/ 160) أن إضاعة المال بتضييعه وصرفه في غير محله، وذلك بأن يرميه في بحر أو يعطيه للناس من غير تمييز بين غني وفقير، كما يفعله بعض الجهال من المتزهدة ليس من الإسلام، ويقول: وحاصله أنه لا عبرة بالزهادة الظاهرة. اهـ

وهو يشير رحمه الله إلى ما اشتهر عن جهلة المتصوفة من إضاعة المال على النحو المذكور، اعتقادًا منهم أن إمساكهم للمال يقدح في الإيمان، ويفسد الولاية، وهذا من الجهل، ولو أنهم إذ رزقوا شيئًا من نعم الله، أمسكوا منها قدر حاجتهم، وحاجة أهليهم، ثم تقربوا بما زاد على ذلك إلى الله، بالتصدق بها في سبيل الله، لا رميها أو إتلافها لكان خيرًا لهم وأقوم، والله أعلم.

وفي الصحيحين أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - مرض فعاده النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعرض سعد على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتصدق بثلثي ماله، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم:لا، فقال سعد: بالشطر فقال: لا ثم قال - صلى الله عليه وسلم:"بالثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".

وعن أنس قال اشتكى سلمان فعاده سعد فرآه يبكي فقال له سعد ما يبكيك يا أخي أليس قد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أليس أليس، قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين ما أبكي ضنا للدنيا ولا كراهية للآخرة ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إليّ عهدا فما أراني إلا قد تعديت قال وما عهد إليك قال عهد إلي أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب ولا أراني إلا قد تعديت وأما أنت يا سعد فاتق الله عند حكمك إذا حكمت وعند قسمك إذا قسمت وعند همك إذا هممت قال ثابت فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهما من نفقة كانت عنده

فقول سلمان - رضي الله عنه - في هذا الحديث"فما أُراني إلا قد تعديت"هو من فرط خشيته لله تعالى، وعظيم فقهه في أن لنعم الله تعالى على العباد تبعاتٍ، وأنهم موقوفون بين يدي الله تعالى ومسئولون عنها، وهو أيضًا من تمام تواضعه - رضي الله عنه -،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت