والنزول بنفسه عن منزلتها، هضمًا لها لتنهض إلى المزيد من الطاعة، والإقبال على الآخرة.
ولما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 235) قول ابن الجوزي عما تركه الزبير بن العوام - رضي الله عنه - من ثروة طائلة: فيه رد على من كره جمع الأموال الكثيرة من جهلة المتزهدين، قال الحافظ: وتعقب بأن هذا الكلام لا يناسب مقامه من حيث كونه - أي ابن الجوزي - لهِجًا بالوعظ، فإن من شأن الواعظ التحريض على الزهد في الدنيا والتقلل منها، وكون مثل هذا لا يكره للزبير وأنظاره لا يطرد. اهـ
وروى الترمذي من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له"صحيح رواه الترمذي وابن ماجة
وعن الأسود بن يزيد قال قال عبد الله سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هم دنياه ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك"حديث حسن رواه ابن ماجة"
وعن أبي هريرة قال ولا أعلمه إلا قد رفعه قال يقول الله سبحانه يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك"حديث صحيح رواه الترمذي وابن ماجة"
ففي هذه الأحاديث وعيد من الله شديد لمن كانت الدنيا أكبرَ همّه، فهو مقبل عليها بكليته، يجمع حطامها، في نهم لا ينقضي، منشغل بذلك عن الآخرة، فمن كانت هذه حاله، عوقب بشتات القلب، فلا يزال لاهثًا وراء المال والمناصب والشهوات، يعبّ منها، لكنه لا يشبع ولا يرتوي، ولا يكتفي، بل يظل في طلب المزيد، غافلًا عن أنه لا يأتيه إلا ما كتب الله له من الرزق، وأن حاله هذا هو عين الفقر، حيث لا تنتهي حاجته، ولا يحصل له الرضى بما جمع من المال، وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث:"وجعل فقره بين عينيه"