فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 544

وفي المقابل حال الرجل الصالح الذي جعل الآخرة همّه، فهو في سعي دائم لتحصيل الحسنات، والوصول إلى مرضاة رب الأرض والسماوات، مع حُسن توكله على الله، فهذا يجمع الله له أمره، ويرزقه القناعة والرضى وغنى النفس، ويبارك له في ماله وصحته وأولاده، وهذا هو الغِنى الحقيقي.

فالمذموم في الأحاديث من أكبّ على الدنيا يجمع حطامها، في انقطاع عن الآخرة، أما من كان له تجارة ناجحة، يسعى في نمائها، وهو مؤمن، يعمل الصالحات، غيرَ غافل عن أمر آخرته، قائمًا بحق الله تعالى في ماله، فيخرج زكاته، ويتصدق في سبيل الله، فهو من الفريق الثاني الذي جعل الآخرة همه.

وفي الحديث القدسي"يا ابن آدم تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غنى .."بيان أن على المسلم أن يفرغ قلبه من كل شوائب الشرك بالله تعالى، وأن يكون قلبه مملوءًا بتوحيد الله تعالى، وأن يحقق العبودية له سبحانه، فلا يعبد سواه، إذ هو وحده المعبود بحق؛ إليه وحده الإنابة، وفيه وحده الرجاء، وعليه وحده التوكل، كما أن له وحده نركع ونسجد، قال تعالى {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له} كما تشتمل العبودية أيضًا في معناها على كل ما يلزم العبد من مقتضى العبودية، من الحب والخضوع والخوف، والطاعة والانقياد، والتسليم، والاحتكام إلى شرعه، فإذا حقق العبد هذا، وانشغل بعبادة ربه عن الانشغال بجمع الدنيا، واكتفى بالسعي المعتدل في كسب قوته، وهو واثق من أن رزقه سيأتيه، إيمانًا منه بالله الواحد الرزاق، ملأ الله تعالى صدره غنى وقناعة ورضى، وطيّب له حياته، وبارك له فيها، فإذا الضيقُ سَعة، والقليل كاف ومُشبع.

قال الطبري في تفسير قوله تعالى {من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا} فمعنى الآية من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثواب الدنيا وجزاءها من عمله فإن الله مجازيه جزاءه في الدنيا من الدنيا وجزاءه في الآخرة من العقاب والنكال وذلك أن الله قادر على ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت