الوقوع في الغبن والخسارة. فكما لا يلتبس على أحد هوان الشاة الميتة المعيوبة على أصحابها، فكذلك لا ينبغي أن يلتبس على العاقل هوان الدنيا على الله.
فالدنيا ملعونة، أي أن ما كان من أمرها مقطوعَ الصلة بالله، والإيمان، والهُدى، والعلم النافع؛ الدال على الله؛ فهو مبعَدٌ عن الله؛ مطرود عن رحابه، لا يقدسه الله، ولا يأبه له.
وفي حديث أبي هريرة"الدنيا سجن المؤمن"بيان أن الدنيا للمؤمن ليست هي الدار التي يمرح فيها ويستريح، وليست هي الدار التي يُطلِق فيها العَنان لرغباته، ويمدّ عينيه لكل ما تشتهيه نفسه وتتمناه؛ فكما تُقَيد حرية السجين، تقيد شهواتُ المسلم عن كل حرام، حتى إذا انقضت الدنيا، انفك المسلم، وانطلق في الجنة، ينتقي من صنوف النعيم والمتعة ما يشاء، قال تعالى {لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} ، وفي المقابل فالدنيا جنة الكافر، فلا دين له يحجزه عن الحرام، ولا أخلاق تكفه عن المعاصي؛ يحسب نفسه في جنة من كثرة تقلبه في متاع الدنيا، وهو أيضًا ليس عنده حرج أو خوف من الله تعالى يُنَغِّص عليه ما هو فيه، فشأنه كما قال الله تعالى {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} ، ومن معاني الحديث أيضًا أن الدنيا للمؤمن كالسجن بالنسبة لما أعدّه الله له في الجنة من النعيم المقيم، كما أن الدنيا للكافر جنة بالنسبة لما ينتظره من العذاب والشقاء في الجحيم.
ومع كل هذا البيان والوضوح، تأتي وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما بأن يكون في الدنيا كالغريب، أو عابر سبيل؛ يحثه على قصر الأمل في الدنيا، وألا ينبسط في متاعها، أو يتوسع في جمع حطامها، وأن يكون دائمًا مستعدًا للقاء الله تعالى، فإن من كان هذا حاله، اجتهد في الطاعة، وتجافى عن الدنيا، وأقبل على أمر الآخرة.
قال النووي في شرح حديث المستورد"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ما مثل الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع""