لمحة , ومن ثم عقبه بقوله"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح .. إلخ"وبقوله"وعدّ نفسك في أهل القبور"والمعنى استمر سائرا ولا تفتر , فإنك إن قصرت انقطعت وهلكت في تلك الأودية , وهذا معنى المشبه به , وأما المشبه فهو قوله"وخذ من صحتك لمرضك"أي أن العمر لا يخلو عن صحة ومرض , فإذا كنت صحيحا فسر سير القصد وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث تكون ما بك من تلك الزيادة قائما مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف.
وقال غيره: هذا الحديث أصل في الحث على الفراغ عن الدنيا والزهد فيها والاحتقار لها والقناعة فيها بالبُلغة.
وقال النووي: معنى الحديث لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه.
وقال غيره: عابر السبيل هو المار على الطريق طالبا وطنه , فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده , فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسل فيه ثم يعود إلى وطنه ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه. اهـ
كلمة لابد منها
لكَم أضرّ بنا غياب الزهد عن حياتنا، فالزهد في الدنيا، من أهم المقومات في الصراع بين المسلمين وأعدائهم، وصمود الأمة في مواجهة المكائد والمؤامرات التي يتعرضون لها الآن، وإن من الغفلة القاتلة أن يظن المسلمون أن عدوهم غافل عنهم، فضلًا عن أن يتوهموا أنه صديق لهم، إلا إذا تصوروا أن الذئاب والنمور تصادق فرائسها.
إن عدونا يرقب بحذر ويقظة وتنمُّر صحوةَ المسلمين، مع أن أصحاب الصحوة لم يسلموا من إيذاء بني جلدتهم وتضييق حكامهم، وإن عدونا يمد عينيه بطمع وشره واحتيال إلى ما تبقى في أيدينا من ثروات، فهو لا يرضى لنا عودة إلى ديننا تبعث فينا الحياة والقوة، وتفتح أعيننا على مصالحنا، كما لا يرضى للغافلين منا أن يهنئوا بما في أيديهم من ثروات.