ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين، يجب أن تبدأ من تعريف سبيل المؤمنين، وتعريف سبيل المجرمين، ووضع العنوان المميز للمؤمنين، والعنوان المميز للمجرمين في عالم الواقع لا في عالم النظريات.
إلى أن يقول رحمه الله: وهذا التحديد كان قائمًا، وهذا الوضوح كان كاملًا، يوم كان الإسلام يواجه المشركين في الجزيرة العربية، فكانت سبيل المسلمين الصالحين هي سبيل الرسول r ومن معه، وكانت سبيل المشركين المجرمين هي سبيل من لم يدخل معهم في هذا الدين.
لكن المشقة الكبرى التي تواجه الحركات الإسلامية الحقيقية اليوم ليست في شيء من هذا، إنها تتمثل في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين، في أوطان كانت في يوم من الأيام دارًا للإسلام، يسيطر عليها دين الله، وتحكم بشريعته، ثم إذا هذه الأرض، وإذا هذه الأقوام تهجر الإسلام حقيقة، وتعلنه اسمًا، وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقادًا وواقعًا، وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقادًا، فالإسلام شهادة ألا إله إلا الله، وشهادة ألا إله إلا الله تتمثل في الاعتقاد بأن الله وحده هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية ونشاط الحياة كله،، وأن الله وحده هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع، ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كله، وأيما فرد لم يشهد ألا إله إلا الله بهذا المدلول فإنه لم يشهد، ولم يدخل في الإسلام بعد، كائنا ما كان اسمه ولقبه ونسبه، وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة ألا إله إلا الله بهذا المدلول فهي أرض لم تدن بدين الله، ولم تدخل في الإسلام بعد.
وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام.
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله، ومدلول الإسلام في جانب، وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر.
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين، وطريق المشركين المجرمين، واختلاط الشارات والعناوين، والتباس الأسماء والصفات، والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق.
ويعرف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة فيعكفون عليها توسيعًا وتمييعًا وتلبيسًا وتخليطًا، حتى يصبح الجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام، تهمة تكفير المسلمين، ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة