والواقع أن حياتنا مملوءةٌ بوسائلَ ونظمٍ وترتيباتٍ إدارية وتقنيات يسرت الحياة ووفرت الأوقات والجهود وأعانت على تحصيل المقصود في جوانب كثيرة من شئوننا ولم يعترض على كل هذه الأمور أحد من أهل العلم، بل أهل العلم بأنفسهم يسارعون للاستفادة مما يفد إلينا من منتجات غربية كشبكة المعلومات العنكبوتية (إنتر نت) وغيرها.
وقال بعضهم كلامًا إنشائيًا مثل إنهم يثيرون الفتنة والفوضى ويجرئون الناس على أولياء الأمور ويفتحون باب التمرد وشق العصا، أو التسبب في إراقة الدماء ونحو ذلك من الأقوال، ونقول: إن كل ما يتسبب في مفسدة تضر المسلمين في دينهم أو دنياهم مرفوض مستنكر، يجب أن يمنع، فإذا كان التظاهر للمطالبة بالحقوق ورفع الظلم يترتب عليه إراقة الدماء فننظر، من يريق الدماء؟ فإذا كان الجماهير تهتف: يسقط الظالم، نطالب بتحكيم الشريعة، أوقفوا المفاسد الأخلاقية في وسائل الإعلام، أين ثروات البلاد ونحن فقراء لا نجد ما يكفينا، نرفض فساد القضاء، أو يتساءلون: ما جريمة عشرات الآلاف من شبابنا حتى يقضوا جل أعمارهم في السجون، وهم شبان صالحون متعلمون يطالبون بالإصلاح وتطبيق الشريعة، فإذا كانت المظاهرات على هذا النحو الموصوف فلا ينبغي أن تمنع، بل يؤازر القائمون بها ويعاونون، فليس من العدل تجريمُها، فهي مشروعة مباحة.
فإذا أطلق الجنود النار على المتظاهرين بأوامر الحاكم فقُتل ناسٌ، فمن الذي فتح أبواب الفتنة؟ المقتول المظلوم المسالم الذي كان يهتف بالمطالبة بحقوقه أم القاتل الظالم؟
فإذا خرج المتظاهرون يعلنون أن تظاهرهم سلمي، ولا يوجد مع أحد منهم سلاح، فقط يهتفون وينددون بالظلم والقهر، فتجمعهم لهذا الغرض مشروع ووسيلتهم مباحة، وأما وصفهم بالانحراف والفساد والفوضى وإحداث الفتن فخطأ، لأنه اتهام قد ثبت بطلانه، وإنما يُهوِّل به أبواق الإعلام والدعاية الكاذبة التي تعودناها من تلك الأنظمة الجائرة.
يقول أحد العلماء الذين يجرمون المظاهرات: أن في هذه المظاهرة الخروجَ على ولي الأمروهو من كبائر الذنوب. اهـ
ونقول: إن الاحتشاد والتجمع والتظاهر السلمي للإنكار على منكرات ومظالم، بدون سلاح، لا يعد خروجا، بل هو مطالبة بالإصلاح والتغيير وتولية من يُصلِح، وتشجيع عموم الشعب على مظاهرتهم والتعاون معهم للضغط على الحكام العملاء الفاسدين.