وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول وهو حلف كان في الجاهلية أقامه جماعة من أهل مكة تعاهدوا فيه أن ينصروا المظلوم ويعينوه حتى يستوفي حقه من ظالمه، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: فَاجْتَمَعَ بَعْض مَنْ كَانَ يَكْرَه الظُّلْم وَيَسْتَقْبِحهُ إِلَى أَنْ عَقَدُوا الْحِلْف، وَظَهَرَ الْإِسْلَام وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
وقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَتَعَاهَدُونَ فِي الْإِسْلَام عَلَى الْأَشْيَاء الَّتِي كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وفي صحيح مسلم من حديث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف عَنْ جُبَيْر بْن مُطْعِم مَرْفُوعًا"لَا حِلْف فِي الْإِسْلَام، وَأَيّمَا حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَام إِلَّا شِدَّة"
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ حَالَفَ بَيْنهمْ أَيْ آخَى بَيْنهمْ، يُرِيد أَنَّ مَعْنَى الْحَلِف فِي الْجَاهِلِيَّة مَعْنَى الْأُخُوَّة فِي الْإِسْلَام، لَكِنَّهُ فِي الْإِسْلَام جَارٍ عَلَى أَحْكَام الدِّين وَحُدُوده، وَحِلْف الْجَاهِلِيَّة جَرَى عَلَى مَا كَانُوا يَتَوَاضَعُونَهُ بَيْنهمْ بِآرَائِهِمْ، فَبَطَل مِنْهُ مَا خَالَفَ حُكْم الْإِسْلَام وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى حَاله.
واتفقوا في هذا الحلف على نصرة المظلوم، وتعاهدوا على ذلك، ثم قاموا لفورهم لتصديق ما تعاهدوا عليه، فانطلقوا مجتمعين في تظاهرة حاشدة وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم قاصدين الرجل الذي ظلم اليماني، فلما رآهم الرجل الظالم دخله الخوف منهم وأذعن لأمرهم برد الحق لصاحبه.
وصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم شاركهم في ذلك وهو صغير مع بعض أعمامه، لكنه صلى الله عليه وسلم أثنى على الحلف بعد البعثة كما في الحديث وقال فيه:"لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت"لما فيه من المروءة والنجدة ونصرة المظلوم وهي قيم أخلاقية أعلى الإسلام مقامها ورفع شأنها.
وهل الاعتصام والمظاهرات السلمية إلا من هذا الباب لإرغام الحكام الظلمة على كف الظلم ورد الحقوق.
وثمة معنى دقيق وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم يثني على حلف قام لنصرة المظلوم وقد كان المظلوم آنذاك كافرًا، فكيف لو كان الاجتماع من أجل التعاون على رفع الظلم عن جماعة المسلمين، فإنه يكون آكد وأشدَّ وجوبا.
وبعد أن اتضح صحة التظاهر السلمي للمطالبة بالحقوق، نشير إلى أن المستبدين والمنتفعين بتفرق الناس وغفلتهم عن القوة الكامنة في اجتماعهم ومظاهرتهم بعضهم بعضا للوقوف أمام الظالم الذي يتجاهل مطالبهم ويؤذي الأفراد المطالبين بها، فالمستبد الظالم يكره اجتماع الناس حول فكرة أو عالم يسعى لرفع