سقف الوعي لدى الناس، وتعريفهم بحقوقهم، وتبصيرهم أن في اجتماعهم قوةً ومنعةً من بطش المستبد، ولهذا نجد أن المصلحين والدعاة الصادقين ينالهم من البطش والأذى والتضييق النصيب الأكبر من ذلك، لأن يقظة الناس ووعيهم يحد من تسلط الطغاة واستئثارهم بالثروات، كما يحد من انبساط أيديهم بالعبث في دين الناس، وإفساد هويتهم كما يزين لهم شياطين الإنس والجن من أوليائهم في داخل البلاد أو في خارجها، وكما تتجارى بهم أهواؤهم وأمزجتهم وجهلهم.
وقد سجل تاريخ الإصلاح وإنكار المنكرات في تاريخنا صفحات مشرقة سجلها ابن الجوزي في كتابه المنتظم: ذكر فيه قيام عدد من كبار العلماء الشافعية والحنابلة بالاجتماع والاعتصام لإنكار المنكرات التي فشت في بغداد آنذاك من بيع النبيذ وظهور المواخير وشيوع الفحش، والبيوع المحرمة، وارتفعت أصواتهم مستغيثين بأمير المؤمنين مطالبين بتتبع مواطن الفساد، فتقدم أمير المؤمنين فهرب المفسدات واختفت الأنبذة وكبست الدور، فنجحت المظاهرة، واستحسنها العلماء لما آلت إليه الأمور من زوال المنكرات وارتداع المفسدين والمفسدات.
ومما ذكره ابن الجوزي في كتابه المنتظم أيضا ما قام به جموع المشايخ ومعهم كثير من الناس من الاحتشاد لإنكار بدعة شتم الصحابة حين فشت في أهل الكرخ، وقصدت المظاهرة قصر الخليفة والناس في حال غضب، وتكلموا بغير تحفظ، (لعله يقصد بعض الشتائم للخليفة وأعوانه) ، فأرسل إليهم الخليفة على الفور بعض أعوانه، لتهدئتهم، ووعدهم بمنع ذلك على الفور ومعاقبة من يفعله بعد، وقال لهم: قد أنكرنا ما أنكرتم، فانصرفت الجموع.
وثبت أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خرج مع جمع كبير من الناس ليغيروا منكرا، وبقي معهم في هذه المظاهرة السلمية حتى غيروا ذاك المنكر.
فهؤلاء أئمة مشهود لهم بالرسوخ في العلم والأمانة والديانة، احتشدوا وتجمهروا مع الناس لإظهار النكير على الظلم، فكانوا أعوانا على الإصلاح ودفع الظلم، لا أعوانا للظلمة على ظلمهم وفسادهم. (رسالة بعنوان ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محبّ الدين الخطيب)
وقد فعل ذلك الإمام البربهاري ومعه جموع غفيرة من طلابه ومن عامة الناس، يخرجون في مظاهرة حاشدة ينكرون المنكرات.
فدعاة الإصلاح حين يتواعدون إلى ساحة كبيرة في موعد محدد ليجتمع الناس لينذروا السلطة برفضهم للمنكرات الموجودة والمظالم المتفشية في المجتمع، ويطالبونهم بالإصلاح، حين يفعلون ذلك إنما هم متبعون سنن السابقين من أئمة