فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 544

وقد سجل تاريخ الإصلاح وإنكار المنكرات في تاريخنا صفحات مشرقة سجلها ابن الجوزي في كتابه المنتظم: ذكر فيه قيام عدد من كبار العلماء الشافعية والحنابلة بالاجتماع والاعتصام لإنكار المنكرات التي فشت في بغداد آنذاك من بيع النبيذ وظهور المواخير وشيوع الفحش، والبيوع المحرمة، وارتفعت أصواتهم مستغيثين بأمير المؤمنين مطالبين بتتبع مواطن الفساد، فتقدم أمير المؤمنين فهرب المفسدات واختفت الأنبذة وكبست الدور، فنجحت المظاهرة، واستحسنها العلماء لما آلت إليه الأمور من زوال المنكرات وارتداع المفسدين والمفسدات.

ومما ذكره ابن الجوزي في كتابه المنتظم أيضا ما قام به جموع المشايخ ومعهم كثير من الناس من الاحتشاد لإنكار بدعة شتم الصحابة حين فشت في أهل الكرخ، وقصدت المظاهرة قصر الخليفة والناس في حال غضب، فأرسل إليهم الخليفة يقول لهم:: قد أنكرنا ما أنكرتم، فانصرفت الجموع.

وثبت أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خرج مع جمع كبير من الناس ليغيروا منكرا، وبقي معهم في هذه المظاهرة السلمية حتى غيروا ذاك المنكر.

فهؤلاء أئمة مشهود لهم بالرسوخ في العلم والأمانة والديانة، احتشدوا وتجمهروا مع الناس لإظهار النكير على الظلم، فكانوا أعوانا على الإصلاح ودفع الظلم، لا أعوانا للظلمة على ظلمهم وفسادهم.

رسالة بعنوان ناحية من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محبّ الدين الخطيب

وقد فعل ذلك الإمام البربهاري ومعه جموع غفيرة من طلابه ومن عامة الناس، يخرجون في مظاهرة حاشدة ينكرون المنكرات.

فدعاة الإصلاح حين يتواعدون إلى ساحة كبيرة في موعد محدد ليجتمع الناس لينذروا السلطة برفضهم للمنكرات الموجودة والمظالم المتفشية في المجتمع، ويطالبونهم بالإصلاح، حين يفعلون ذلك إنما هم متبعون سنن السابقين من أئمة الدين، ولا ريب أن الإنكار الجماعي أبلغ تأثيرًا وأقرب لتحقيق المقصود من الإنكار الفردي.

وروى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 50، عن محمد بن أبي حرب قال: (سألت أبا عبدالله - يعني أحمد بن حنبل - عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه، قال: يأمره، قلت: فإن لم يقبل؟ قال: تجمع عليه الجيران، وتهوِّل عليه) ، قال الشيخ حامد العلي: وقوله تجمع عليه الجيران، وتهوّل عليه أي ليكون ذلك أردع، عندما يرى تظاهر الجيران كلُِّهم في الإنكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت