وانزواؤها عنها طوعا مع القدرة عليها، وأصلها العلم والنور الذي يشرق في القلب حتى ينشرح به الصدر، ويتضح به أنّ الآخرة خير وأبقى، وأن نسبة الدنيا إلى الآخرة أقلّ من نسبة خزفة إلى جوهرة، وثمرتها القناعة من الدنيا بقدر الضرورة، وهو قدر زاد الراكب، فالأصل نور المعرفة، فيثمر حال الانزواء، ويظهر على الجوارح بالكفّ إلا عن قدر الضرورة في زاد الطريق. والضروريّ من زاد الطريق مسكن وملبس ومطعم وأثات.
أما المطعم، فله طول وعرض: أما طوله، فبالإضافة إلى الزمان، وأقصر درجاته الاقتصار على دفع الجوع في الحال، فإذا دفعه غدوة لم يدخر شيئا لعشائه، وأوسطه أن يدّخر لشهر إلى أربعين يوما فقط؛ وأدناه أن يدّخر لسنة؛ فإن جاوز ذلك خرج عن جميع أبواب الزهد، إلا أن لا يكون له كسب ولا يأخذ من الأيدي، كداود الطائي، فإنه ملك عشرين دينارا، فأمسكها وقنع بها عشرين سنة؛ فذلك لا يبطل مقام الزهد ودرجته في الآخرة إلا عند من يشرط التوكل في الزّهد. وأما عرضه فأقله نصف رطل، وأوسطه رطل، وأعلاه مدّ؛ والزيادة عليه تبطل رتبة الزهد. وأما الجنس، فأقله ما يقوت ولو النخالة، وأوسطه خبز الشعير، وأعلاه خبز البرّ غير منخول، فإن نخل فهو تنعم لا زهد. فأما الإدام فأقله الخل والبقل والملح، وأوسطه الأدهان، وأعلاه اللّحم؛ وذلك في الأسبوع مرة أو مرتين، فإذا دام لم يكن صاحبه زاهدا.
قالت عائشة - رضي الله عنها: «كان يأتي أربعون ليلة وما يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مصباح ولا نار» ، وقيل: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة ثلاثة أيام من خبز البر.
وأما الملبس فأقله ما يستر العورة ويدفع الحرّ والبرد، وأعلاه قميص وسراويل ومنديل من الجنس الخشن، ويكون بحيث لو غسل ثوبه لم يجد غيره؛ فإن كان صاحب القميصين لم يكن زاهدا. قال أبو ذر: أخرجت عائشة - رضي الله عنها - كساء ملبدا وإزارا غليظا، فقالت: «قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين» . وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصة (1) لها علم، فلما سلم قال: «شغلني النظر إلى هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم .. » الحديث. وكان شراك نعله قد أخلق فأبدل بسير جديد، فلما سلم عن صلاته
(1) الخميصة هي ثوب خز أو صوف معلم.