فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 189

إلى ثواب الآخرة، وإن لم ينبعث فلا نيّة لك. ولمثل هذا توقف السّلف في جملة من الخيرات، حتى روي أن محمد بن سيرين لم يصلّ على جنازة الحسن البصري، وقال ليس تحضرني النيّة. وقيل لطاوس: ادع لنا! فقال: حتى أجد له نيّة. وقال بعضهم: أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر، فما صحّت لي نية بعد.

ومن عرف حقيقة النية وعلم أنها روح العمل، فلا يتعب نفسه بعمل لا روح له، ويحقق ذلك أن المباح قد يصير أفضل من العبادة إذا حضرت فيه نية. فمن له نية في الأكل والشرب ليقوى على العبادة، وليس تنبعث له نية الصوم في الحال، فالأكل أولى له. ومن ملّ العبادة وعلم أنه لو نام لعاد نشاطه، فالنوم أفضل له. بل لو علم مثلا أن الترفه بدعابة وحديث مزاح في ساعة يرد نشاطه، فذلك أفضل له من الصلاة مع الملال.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يملّ حتى تملوا» . وقال أبو الدرداء: إني لأستجمّ نفسي بشيء من اللهو فيكون ذلك عونا لي على الحق. وقال علي - رضي الله عنه: «روّحوا النفوس، فإنها إذا أكرهت عييت» . وهذه دقائق يستثقلها الظاهريون من الفقهاء، كما يستثقل الطبيب الضعيف من الأطباء معالجة المحرور باللّحم؛ والحاذق منهم قد يأمر به ليعود قوة المريض حتى يحتمل الدواء النافع بعده.

الركن الثاني في إخلاص النية: وقد قال الله تعالى: {وما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ} [البينة:5] ، وقال الله تعالى: {أَلا للهِ الدِّينُ الْخالِصُ} [الزمر:3] ، وقال: {إلَّا الَّذِينَ تابُوا وأَصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللهِ وأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ} [النساء:146] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «الإخلاص سرّ من سرّي استودعته قلب من أحببت من عبادي» . وقال - عليه السلام - لمعاذ: «أخلص العمل، يجزك القليل منه» . وقال - عليه السلام: «ما من عبد يخلص العمل أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» .

حقيقة الإخلاص تجرد الباعث الواحد، ويضادّه الإشراك، وهو أن يشترك الباعثان، وهو كل ما يتطور أن يمازجه غيره؛ فإن صفا من كل شوب منه يسمّى خالصا. وقد عرفت أن النية هي الباعث، فمن لا يعمل إلا للرياء فهو مخلص، ومن لا يعمل إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت