فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 189

والمسجد يعشّش أهل الدين المحبين لله وفي الله. وقس على هذا سائر الأعمال، فباجتماع هذه النيات، تزكو الأعمال، وتلتحق بأعمال المقرّبين، كما أنه بنقيضها يلتحق بأعمال الشياطين، كمن يقصد من القعود في المسجد التحدّث بالباطل، والتفكه بأعراض الناس، ومجالسة أخدان (1) اللهو واللّعب، وملاحظة من يجتاز به من النّسوان والصبيان، ومناظرة من ينازعه من الأقران على سبيل المباهاة والمراءاة، باقتناص قلوب المستمعين لكلامه وما يجري مجراه. وكذلك لا ينبغي أن يغفل في المباحات عن حسن النية، ففي الخبر: أن العبد يسأل يوم القيامة عن كلّ شيء حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطين بإصبعيه، وعن لمسه ثوب أخيه. ومثال النية في المباحات أن من يتطيب يوم الجمعة يمكنه أن يقصد التنعم بلذته والتفاخر بإظهار ثروته، أو التزويق للنساء وأخدان الفساد، ويتصور أن ينوي اتّباع السنّة وتعظيم بيت الله تعالى، واحترام يوم الجمعة، ودفع الأذى عن غيره بدفع الرائحة الكريهة، وإيصال الراحة إليهم بالرائحة الطيبة، وحسم باب الغيبة، إذا شموا منه رائحة كريهة. وإلى الفريقين الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «من تطيب في الله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة» .

اعلم أن النية لا تدخل تحت الاختيار، فلا ينبغي أن تغتر فتقول بلسانك وقلبك: نويت من القعود في المسجد كذا وكذا؛ وتظن أنك قد نويت، إذ عرفت من قبل أن النية هي الباعث المتحرك الذي لولاه لم يتصور وجود العمل. والنية المتكلّفة كقول القائل: نويت أن أحب فلانا وأعشقه وأعظّمه؛ أو نويت أن أعطش أو أجوع أو أشبع. فإن لكل هذه دواعي وصوارف، وتحقّقها أسبابها، إذ لا يتصور حصولها دون أسبابها. وقول القائل: نويتها قبل تحققها، حديث نفس لا نيّة. فمن وطئ لغلبة شهوة الوقاع من أين ينفعه قوله نويت الوطء لحراثة الولد وتكثير عدد من به المباهاة، بل لا تظفر بانبعاث هذه النيات من قلبك إلا إذا قوي إيمانك وتمّت معرفتك بحقارة الحظوظ العاجلة، وعظم ثواب الآخرة، حتى إذا غلب ذلك عليك انبعث منك الرغبة ضرورة في كل ما هو وسيلة

(1) أخدان: جمع خدن، وهو الصاحب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت