والحمد لله على ما أرشد وهدى، وأظهر من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، والصلاة والسلام على محمد المصطفى، خاتم الأنبياء وعلى آله وأصحابه، وسلم كثيرا.
آمين يا رب العالمين.
خاتمة في التنبيه على الكتب التي تطلب فيها حقيقة هذه العقيدة:
اعلم أن ما ذكرناه هو الحاصل من علوم القرآن، أعني جمل ما يتعلق منها بالله واليوم الآخر؛ وهي ترجمة العقيدة التي لا بد أن ينطوي عليها قلب كل مسلم، بمعنى أنه يعتقده ويصدق به تصديقا جزما. ووراء هذه العقيدة الظاهرة رتبتان: إحداهما معرفة أدلة هذه العقيدة الظاهرة من غير خوض على أسرارها، والثانية معرفة أسرارها ولباب معانيها وحقيقة ظواهرها. والرتبتان جميعا ليستا واجبتين على جميع العوام، أعني أن نجاتهم في الآخرة غير موقوفة عليهما، ولا فوزهم موقوف عليهما، وإنما الموقوف عليهما كمال السعادة. وأعني بالنجاة الخلاص من العذاب، وأعني بالفوز الحصول على أصل النعيم، وأعني بالسعادة نيل غايات النعيم، فالسلطان إذا استولى على بلدة وفتحها عنوة، فالذي لم يقتله ولم يعذبه فهو ناج وإن أخرجه عن البلدة، والذي لم يعذبه ومع ذلك مكّنه من المقام في بلدته مع أهله وأسباب معيشته فهو مع ذلك فائز بالنجاة. والذي خلع عليه وأشركه في ملكه واستخلفه في مملكته وإمارته فهو مع النجاة والفوز سعيد، ثم زيادة درجات السعادات لا تنحصر. واعلم ان الخلق في الآخرة ينقسمون إلى هذه الأصناف، بل إلى أصناف أكثر منها، وقد شرحنا ما أمكن من شرحها في كتاب التوبة فاطلبه فيه.
والرتبة الأولى من الرتبتين: وهي معرفة أدلة هذه العقيدة، وقد أودعناها الرسالة القدسية في قدر عشرين ورقة، وهي أحد فصول كتاب قواعد العقائد من كتاب الإحياء. وأما أدلتها مع زيادة تحقيق وزيادة تأنق في إيراد الأسئلة والإشكالات، فقد أودعناها في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد في مقدار مائة ورقة، فهو كتاب مفرد برأسه، يحوي لباب علم المتكلمين، ولكنه أبلغ في التحقيق، وأقرب إلى قرع أبواب المعرفة من الكلام الرسمي الذي يصادف في كتب المتكلمين. وكل ذلك يرجع إلى الاعتقاد لا إلى المعرفة؛ فإن المتكلم لا يفارق العامي إلا في كونه عارفا، وكون العامي معتقدا، بل هو أيضا معتقد عرف مع اعتقاده أدلة الاعتقاد، ليؤكد الاعتقاد ويستمره، ويحرسه عن