تشويش المبتدعة. ولا تنحل عقيدة الاعتقاد إلى انشراح المعرفة، فإن أردت أن تستنشق شيئا من روائح المعرفة صادفت منها مقدارا يسيرا مثبوتا في كتاب الصبر والشكر، وكتاب المحبة وباب التوحيد، من أول كتاب التوكل وجملة ذلك من كتاب الإحياء، وتصادف منها قدرا صالحا يعرفك كيفية قرع باب المعرفة في كتاب المقصد الأقصى في معاني أسماء الله الحسنى، لا سيما في الأسماء المشتقة من الأفعال. وإن أردت صريح المعرفة بحقائق هذه العقيدة من غير مجمحة ولا مراقبة، فلا تصادفه إلا في بعض كتبنا المضنون بها على غير أهلها، وإياك أن تغتر وتحدث نفسك بأهليته، فتشرئب لطلبه، فتستهدف للمشافهة بصريح الرد؛ إلا أن تجمع ثلاث خصال: إحداها الاستقلال في العلوم الظاهرة ونيل رتبة الإمامة فيها. والثانية انقلاع القلب عن الدنيا بالكلية بعد محو الأخلاق الذميمة، حتى لا يبقى فيك تعطش إلا إلى الحق، ولا اهتمام إلا به، ولا شغل إلا فيه، ولا تعريج إلا عليه. والثالثة أن يكون قد أتيح لك السعادة في أصل الفطرة، بقريحة صافية، وفطنة بليغة، لا تكلّ عن درك غوامض العلوم ومشكلاتها على سبيل البديهة والمبادرة؛ فإن البليد إذا أتعب خاطره وأكد نفسه، ربما أدرك بعض الغوامض أيضا، ولكن يدرك منها شيئا يسيرا في مدة طويلة. فلن يصلح لاقتباس المعرفة الحقيقية، إلا قلب صاف كأنه مرآة مجلوّة؛ وإنما يصير كذلك بقوة الفطرة وصحة القصد، ثم بإزالة كدورات الدنيا عن وجهه، فإنه الرّين (1) والطبع يمنع الله به القلوب عن معرفته. و {أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال:24] .
(1) الرين: الطبع الغالب.