وذلك لسر العلاقة التي بين عالم الشهادة وعالم الملكوت؛ فإن ظاهر البدن من عالم الشهادة، والقلب من عالم الملكوت بأصل فطرته، وإنما هبوطه إلى عالم الشهادة كالغريب عن جبلّته (1) . وكما تنحدر من معارف القلب آثار إلى الجوارح، فكذلك يرتفع من أحوال الجوارح أنوار إلى القلب، ولذلك أمروا بالصلاة مع أنها حركات الجوارح التي هي من عالم الشهادة، ولذلك جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا ومن الدنيا، وقال: «حبب إليّ من دنياكم ثلاث ... » (2) . الحديث. فلا يستبعد أن يفيض من طهارة الظاهر أثر على الباطن؛ ففي بدائع صنع الله أمور أعجب من هذا، إذ قد عرف بالتجربة، أن المجامع في حال المباشرة، لو أدمن النظر إلى بياض مشرق أو حمرة قانية حتى غلبت تلك الصورة على نفسه، مال لون المولود إلى ذلك اللون الذي غلب عليه، وأن الجنين أول ما يتحرك في البطن، تميل صورته إلى الحسن، إن كانت الأم مشاهدة في تلك الحالة لصورة حسنة، بحيث غلبت تلك الصورة على نفسها، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المباشر عند مباشرته أن يحضر في قلبه إرادة إصلاح المولود، ويدعو الله بذلك فيقول: «اللهم جنّبنا الشيطان وجنب الشيطان عما رزقتنا» حتى يفيض الله سبحانه مبادي الصلاح على الروح التي يخلقها عند إلقاء البذر في محل الحرث بواسطة الصلاح الغالب على قلب الحارث، كما يفيض الله النور بواسطة المرآة المحاذية للشمس على بعض الأجسام المحاذية للمرآة. وها نحن الآن نقرع بابا عظيما من معرفة عجائب صنع الله في الملك والملكوت، وإلى قريب منه يرجع سر الشفاعة في الآخرة فلنجاوزه؛ فغرضنا الآن ذكر الأعمال دون المعارف. وقد أشممناك شيئا يسيرا من أسرار الطهارة الظاهرة، فإن كنت لا تصادف بعد الطهارة وإسباغ الوضوء شيئا من الصفاء الذي وصفناه، فاعلم أن الدرن الذي عرض على قلبك من كدورات شهوات الدنيا وشواغلها، اقتضى كلال (3) حس القلب فصار لا يحس باللطائف والأشياء الخفية اللطيفة، ولم يبق
(1) الجبلّة: الخلقة.
(2) عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حبب إليّ من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة» . رواه الإمام أحمد في مسنده ج 3 ص 128،199،285، والنسائي في كتاب عشرة النساء باب 1.
(3) كلال: تعب، إعياء.