في قوته إلا إدراك الجليات إن بقي. فاشتغل بجلاء قلبك وتصفيته، فذلك أوجب عليك من كل ما أنت فيه!.
المحافظة الثانية: أن تحافظ على سنن الصلاة وأعمالها الظاهرة، وأذكارها وتسبيحاتها، حتى تأتي فيها بجميع السنن والآداب والهيئات، كما جمعناها في كتاب بداية الهداية، فإن لكل واحد منها سرّا، وله تأثير في القلب كما نبهنا عليه في تأثير الطهارة، بل أشدّ وأبلغ، وشرح ذلك يطول. وأنت إذا أتيت بذلك انتفعت به وإن لم تعلم أسراره، كما ينتفع شارب الدواء بشربه، وإن لم يعرف طبائع أخلاطه ووجوه مناسبته لمرضه.
واعلم أن الصلاة صورة صوّرها ربّ الأرباب، كما صور الحيوان مثلا؛ فروحها النية والإخلاص وحضور القلب، وبدنها الأعمال، وأعضاؤها الأصلية الأركان، وأعضاؤها الكمالية الأبعاض (1) فالإخلاص والنية فيها يجري مجرى الروح، والقيام والقعود يجري مجرى البدن، والركوع والسجود يجري مجرى الرأس واليد والرجل، وإكمال الركوع والسجود والطمأنينة وتحسين الهيئة يجري مجرى حسن الأعضاء وحسن أشكالها وألوانها، والأذكار والتسبيحات المودعة فيها تجري مجرى آلات الحس المودعة في الرأس والأعضاء كالعينين والأذنين وغيرهما، ومعرفة معاني الأذكار وحضور القلب عندها يجري مجرى قوة الحس المودعة في آلات الحسّ كقوة السمع وقوة البصر والشم والذوق واللمس في معادنها.
واعلم أن تقرّبك بالصلاة، كتقرب بعض خدم السلطان بإهداء وصيفة إلى السلطان. واعلم أن فقد النية والإخلاص من الصلاة كفقد الروح من الوصيفة، والمهدي للجيفة الميتة مستهزئ بالسلطان، فيستحق سفك الدم، وفقد الركوع والسجود يجري مجرى فقد الأعضاء، وفقد الأذكار يجري مجرى فقد العينين من الوصيفة، وجدع الأنف والأذنين وعدم حضور القلب في غفلته عن معرفة معاني القرآن والأذكار كفقد السمع والبصر مع بقاء جرم الحدقة والأذن. ولا يخفى عليك أن من أهدى وصيفة بهذه الصفة، كيف يكون حاله عند السلطان؟. واعلم أن قول الفقيه في الصلاة
(1) الأبعاض: جمع بعض، وهو الجزء من الشيء.