فَدَخَلَ الْوَفْدُ فَعَمَدُوا إِلَى اللاَّتِ فَنَزَلُوا عِنْدَهَا ، وَاللاَّتُ بَيْتٌ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَيِ الطَّائِفِ بِسِتْرٍ ، وَيُهْدَى لَهَا الْهَدْيُ ، ضَاهَوْا بِهِ بَيْتَ اللَّهِ ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا ، فَيَقُولُ نَاسٌ مِنْ ثَقِيفٍ حِينَ نَزَلَ الْوَفْدُ عَلَيْهَا كَأَنَّهُمْ لاَ عَهْدَ لَهُمْ بِرُؤْيَتِهَا ، وَرَجَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى أَهْلِهِ ، وَأَتَى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ جَانِبَهُ مِنْ ثَقِيفٍ فَسَأَلُوهُ Y مَاذَا جِئْتُمْ بِهِ ، وَمَا رَجَعْتُمْ بِهِ ؟ قَالُوا Y أَتَيْنَا رَجُلًا غَلِيظًا يَأْخُذُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ ، قَدْ ظَهَرَ بِالسَّيْفِ وَأَدَاخَ الْعَرَبَ ، وَأَدَانَ لَهُ النَّاسَ ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شِدَادًا Y هَدْمَ اللاَّتِ ، وَتَرْكَ الأَمْوَالِ فِي الرِّبَاتِ إِلاَّ رُؤُوسَ أَمْوَالِنَا ، وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ . قَالَتْ ثَقِيفٌ Y فَوَاللَّهِ لاَ نَقْبَلُ هَذَا أَبَدًا فَقَالَ الْوَفْدُ Y فَأَصْلِحُوا السِّلاَحَ ، وَتَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ ، وَرُمُّوا حِصْنَكُمْ . فَمَكَثَ بِذَلِكَ ثَقِيفٌ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً يُرِيدُونَ - زَعَمُوا - الْقِتَالَ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ ، فَقَالُوا Y وَاللَّهِ مَا لَنَا طَاقَةٌ بِهِ ، أَدَاخَ الْعَرَبَ كُلَّهَا ، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ وَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى الْوَفْدُ أَنَّهُمْ قَدْ رُعِبُوا وَخَافُوا وَاخْتَارُوا الأَمْنَ عَلَى الْخَوْفِ وَالْحَرْبِ قَالَ الْوَفْدُ Y فَإِنَّا قَدْ قَاضَيْنَاهُ ، وَأَعْطَانَا مَا أَحْبَبْنَا وَشَرَطَ لَنَا مَا أَرَدْنَا ، وَوَجَدْنَاهُ أَتْقَى النَّاسِ وَأَوْفَاهُمْ ، وَأَرْحَمَهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ ، وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إِلَيْهِ ، وَفِيمَا قَاضَيْنَاهُ عَلَيْهِ ، فَانْهُوا الْقَضِيَّةَ وَاقْبَلُوا عَاقِبَةَ اللَّهِ قَالَتْ ثَقِيفٌ Y فَلِمَ كَتَمْتُمُونَا هَذَا الْحَدِيثَ وَغَمَّمْتُمُونَا بِهِ أَشَدَّ الْغَمِّ ؟ قَالُوا Y أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشَّيْطَانِ . فَأَسْلَمُوا مَكَانَهُمْ وَاسْتَسْلَمُوا وَمَكَثُوا أَيَّامًا ، ثُمَّ قَدِمَتْ عَلَيْهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمِيرُهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَفِيهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَمَدُوا إِلَى اللاَّتِ فَهَدَمُوهَا ، وَقَدِ اسْتَكَفَّتْ ثَقِيفٌ الرِّجَالُ مِنْهُمْ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْحِجَالِ ، لاَ تَرَى عَامَّةُ ثَقِيفٍ أَنَّهَا مَهْدُومَةٌ ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخَذَ الْكَرْزَنَ وَقَالَ Y لأُضْحِكَنَّكُمْ مِنْ ثَقِيفٍ ، فَضَرَبَ بِالْكَرْزَنِ ثُمَّ سَقَطَ يَرْتَكِضُ ، فَارْتَجَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ قَالُوا Y أَبْعَدَ اللَّهُ الْمُغِيرَةَ ، قَدْ قَتَلَتْهُ الرَّبَّةُ ، حِينَ رَأَوْهُ سَاقِطًا ، وَقَالُوا Y مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَتَقَرَّبْ وَلْيَجْتَهِدْ عَلَى هَدْمِهَا ، فَوَاللَّهِ لاَ يُسْتَطَاعُ أَبَدًا ، فَوَثَبَ الْمُغِيرَةُ فَقَالَ Y قَبَّحَكُمُ اللَّهُ يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ ، إِنَّمَا هِيَ لَكَاعٌ حِجَارَةٌ وَمَدَرٌ ، اقْبَلُوا عَافِيَةَ اللَّهِ وَاعَبْدُوهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ الْبَابَ فَكَسَرَهُ ثُمَّ عَلاَ عَلَى سُورِهَا وَعَلاَ الرِّجَالُ مَعَهُ ، فَمَا زَالُوا يَهْدِمُونَهَا حَجَرًا حَجَرًا حَتَّى سَوَّوْهَا بِالأَرْضِ ، وَجَعَلَ صَاحِبُ الْمَفَاتِيحِ يَقُولُ Y لَيَغْضَبَنَّ الأَسَاسُ وَلَيُخْسَفَنَّ بِهِمْ ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُغِيرَةُ قَالَ Y يَا خَالِدُ ، دَعْنِي أَحْفِرُ أَسَاسَهَا ، فَحَفَرُوهُ حَتَّى أَخْرَجُوا تُرَابَهَا ، وَانْتَزَعُوا حُلِيَّهَا ، وَأَخَذُوا ثِيَابَهَا ، فَبُهِتَتْ ثَقِيفٌ ، وَقَالَتْ عَجُوزٌ مِنْهُمْ Y أَسْلَمَهَا الرَّضَّاعُ ، وَتَرَكُوا الْمِصَاعَ . وَأَقْبَلَ الْوَفْدُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُلِيِّهَا وَكِسْوَتِهَا ، وَقَسَمَهَا مِنْ يَوْمِهِ ، وَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِ وَإِعْزَازِ دِينِهِ ، فَهَذَا حَدِيثُ ثَقِيفٍ.