لاَ تَخْتَلِفُ الدَّارَانِ فِي تَحْرِيمِ الْفِعْل، فَلَمْ تَخْتَلِفْ فِيمَا يَجِبُ مِنَ الْعُقُوبَةِ. فَلَوْ قَتَل بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ قَذَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَوْ شَرِبَ أَحَدُهُمْ خَمْرًا، فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَيْهِمْ إِذَا صَارُوا إِلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَمْنَعُ الدَّارُ حُكْمَ اللَّهِ.
وَيَقُول الْحَطَّابُ: إِذَا أَقَرَّ الأَْسِيرُ أَنَّهُ زَنَى، وَدَامَ عَلَى إِقْرَارِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَإِذَا قَتَل الأَْسِيرُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَطَأً، وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَ، وَالأَْسِيرُ لاَ يَعْلَمُ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ. وَقِيل الْكَفَّارَةُ فَقَطْ. وَإِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا، وَهُوَ لاَ يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ. وَإِنْ كَانَ قَتَلَهُ عَمْدًا وَهُوَ يَعْلَمُ بِإِسْلاَمِهِ قُتِل بِهِ. وَإِذَا جَنَى الأَْسِيرُ عَلَى أَسِيرٍ مِثْلِهِ فَكَغَيْرِهِمَا. [1]
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ - فِي جَرِيمَةِ الزِّنَى - بِعَدَمِ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فعَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ فِي الْبَحْرِ، فَأُتِيَ بِسَارِقٍ يُقَالُ لَهُ: مِصْدَرٌ، قَدْ سَرَقَ بُخْتِيَّةً، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَطَعْتُهُ» [2]
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:"لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ أَهْلُهَا بِالْعَدُوِّ" [3] ،لاِنْعِدَامِ الْمُسْتَوْفِي، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حِينَ بَاشَرَ السَّبَبَ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لاَ حَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى وَكَانَ أَسِيرًا فِي مُعَسْكَرِ أَهْل الْبَغْيِ، لأَِنَّ يَدَ إِمَامِ أَهْل الْعَدْل لاَ تَصِل إِلَيْهِمْ. [4] وَقَالُوا: لَوْ قَتَل أَحَدُ الأَْسِيرَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الآْخَرَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّهُ بِالأَْسْرِ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ، لِصَيْرُورَتِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلِهَذَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِإِقَامَتِهِمْ وَمُسَافِرًا بِسَفَرِهِمْ. وَخُصَّ الْخَطَأُ بِالْكَفَّارَةِ، لأَِنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ عِقَابُ الآْخِرَةِ. وَقَال الصَّاحِبَانِ
(1) - المهذب 2/ 241. والأم 4/ 162،199،والمغني 10/ 537،ومواهب الجليل 3/ 354.
(2) - سنن أبي داود (4/ 142) (4408) صحيح
(3) - السنن الكبرى للبيهقي (9/ 178) (18225) فيه ضعف
(4) - المبسوط 10/ 99،100،ومواهب الجليل 3/ 354.