وقال الحافظ العراقي:"اسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى قَتْلِ الْأَسِيرِ صَبْرًا وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ فَالْقُدْرَةُ عَلَى ابْنِ خَطَلٍ صَيَّرَتْهُ كَالْأَسِيرِ فِي يَدِ الْإِمَامِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ أُمُورٍ مِنْهَا الْقَتْلُ وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو دَاوُد عَلَى قَتْلِ الْأَسِيرِ وَلَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى ابْنِ خَطَلٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ." [1]
وقال السرخسي في المبسوط:
" (قَالَ) وَسَأَلْته عَنْ الرَّجُلِ يَأْسِرُ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْعَدُوِّ هَلْ يَقْتُلُهُ أَوْ يَأْتِي بِهِ الْإِمَامَ.؟ قَالَ: أَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ فَحَسَنٌ؛ لِأَنَّ بِالْأَسْرِ مَا تَسْقُطُ الْإِبَاحَةُ مِنْ دَمِهِ حَتَّى يُبَاحَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ فَكَذَلِكَ يُبَاحُ لِمَنْ أَسَرَهُ كَمَا قَبْلُ أَخْذُهُ وَلَمَّا قُتِلَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ بَعْدَ مَا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، وَإِنْ أُتِيَ بِهِ الْإِمَامُ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الْإِمَامِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى إظْهَارِ الشِّدَّةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَعْلَمُهُ أَنْفَعَ وَأَفْضَلَ لِلْمُسْلِمِينَ." [2]
وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي، وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ: «إِعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ» ،ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: «لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ» ،ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي، قَالَ: «هَذِهِ حَاجَتُكَ» ،فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ، قَالَ: وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ، فَأَتَتِ الْإِبِلَ، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ
(1) - طرح التثريب في شرح التقريب (5/ 87)
(2) - المبسوط للسرخسي (10/ 137)