الْعَاصِي، بَل التَّوْبَةُ مِنَ الْكَافِرِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا، وَهُوَ أَعْظَمُ وِزْرًا. وَلَعَل الْمُرَادَ مَا إِذَا تَابَ حَالَةَ الْيَأْسِ، كَمَا إِذَا فَعَل بِنَفْسِهِ مَا لاَ يَعِيشُ مَعَهُ عَادَةً، كَجُرْحٍ مُزْهِقٍ فِي سَاعَتِهِ، وَإِلْقَائِهِ نَفْسَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ نَارٍ فَتَابَ. أَمَّا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ فَبَقِيَ حَيًّا أَيَّامًا مَثَلاً ثُمَّ تَابَ وَمَاتَ، فَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِقَبُول تَوْبَتِهِ. [1]
وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الْمُنْتَحِرَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِخُلُودِهِ فِي النَّارِ ماجاء عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ، أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ - قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ
(1) - ابن عابدين 1/ 184،وانظر أيضا القليوبي مع حاشية عميرة 1/ 348،349،والشرح الصغير 1/ 574،والمغني مع الشرح الكبير 2/ 418.