أن دين الإسلام دين رحمة وبركة وإحسان , وحث على منفعة نوع الإنسان. فما اشتمل عليه هذا الدين من الرحمة وحسن المعاملة والدعوة إلى الإحسان , والنهي عن كل ما يضاد ذلك هو الذي صيره نورا وضياء بين ظلمات الظلم والبغي وسوء المعاملة وانتهاك الحرمات , وهو الذي جذب قلوب من كانوا قبل معرفته ألد أعدائه حتى استظلوا بظله الظليل , وهو الذي عطف وحنا على أهله , حتى صارت الرحمة والعفو والإحسان يتدفق من قلوبهم على أقوالهم وأعمالهم , وتخطاهم إلى أعدائه , حتى صاروا من أعظم أوليائه. فمنهم من دخل فيه بحسن بصيرة وقوة وجدان , ومنهم من خضع له ورغب في أحكامه وفضلها على أحكام أهل دينه , لما فيها من العدل والرحمة.
دين الإسلام هو دين الحكمة ودين الفطرة ودين العقل والصلاح والفلاح. يوضح هذا الأصل: ما هو محتو عليه من الأحكام الأصولية والفروعية , التي تقبلها الفطر والعقول , وتنقاد لها بوازع الحق والصواب , وما هي عليه من الأحكام وحسن الانتظام , وأنها صالحة لكل زمان ومكان. فأخباره كلها حق وصدق , لم يأت - ويستحيل أن يأتي - علم سابق أو لاحق بما ينقضها أو يكذبها , وإنما العلوم الحقة كلها تؤازرها وتؤيدها , وهي أعظم برهان على صدقها. وقد حقق المحققون المنصفون أن كل علم نافع , ديني أو دنيوي أو سياسي , فقد دل عليه القرآن دلالة لا ريب فيها. فليس في شريعة الإسلام ما تحيله العقول , وإنما فيه ما تشهد العقول الزكية بصدقه ونفعه وصلاحه. وكذلك أوامره ونواهيه كلها عدل لا ظلم فيها , فما أمر بشيء إلا وهو خير خالص أو راجح , وما نهى إلا عن الشر الخالص أو الذي مفسدته تزيد على مصلحته. وكلما تدبر اللبيب أحكامه ازداد إيمانا بهذا الأصل أو علم إنه تنزيل من حكيم حميد.