ويشهد لهذا {توفته رسلنا وهم لا يفرطون} وظلمهم أنفسهم بترك الهجرة ، وقعودهم مع قومهم حين رجعوا للقتال ، أو برجوعهم إلى الكفر ، أو بشكهم ، أو بإعانة المشركين ، أقوال أربعة: وتوفاهم: ماض لقراءة من قرأ توفتهم ، ولم يلحق تاء التأنيث للفصل ، ولكون تأنيث الملائكة مجازاً أو مضارع ، وأصله تتوفاهم.
وقرأ إبراهيم: توفاهم بضم التاء مضارع وفيت ، والمعنى: أنّ الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها ، أي: يمكنهم من استيفائها فيستوفونها.
والضمير في قالوا للملائكة ، والجملة خبر إنّ ، والرابط ضمير محذوف دل عليه المعنى ، التقدير: قالوا: قالوا لهم فيم كنتم ؟ وهذا الاستفهام معناه التوبيخ والتقريع.
والمعنى: في أي شيء كنتم من أمر دينكم ؟ وقيل: من أحوال الدنيا ، وجوابهم للملائكة اعتذار عن تخلفهم عن الهجرة ، وإقامتهم بدار الكفر ، وهو اعتذار غير صحيح.
قال الزمخشري: (فإن قلت) : كيف صح وقوع قوله: كنا مستضعفين في الأرض ، جواباً عن قولهم: فيم كنتم ؟ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا ، ولم يكن في شيء ؟ (قلت) : معنى فيم كنتم ، التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على الهجرة ولم يهاجروا ، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذاراً مما وبخوا به ، واعتلالاً بالاستضعاف ، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء انتهى كلامه.
والذي يظهر أنّ قولهم: كنا مستضعفين في الأرض جواب لقوله: فيم كنتم على المعنى ، لا على اللفظ.
لأن معنى: فيم كنتم في أي حال مانعة من الهجرة كنتم ، قالوا: كنا مستضعفين أي في حالة استضعاف في الأرض بحيث لا نقدر على الهجرة ، وهو جواب كذب ، والأرض هنا أرض مكة.
{قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} هذا تبكيت من الملائكة لهم ، وردّ لما اعتذروا به.