فهرس الكتاب
وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذين الرأيين بقوله: قوله - تعالى - وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ. الآية، أي: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم. فإن كان مؤمنا فدية كاملة وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء. وقيل يجب في الكافر نصف دية المسلم وقيل ثلثها كما هو مفصل في كتب الأحكام.
ثم يبين - سبحانه - الحكم عند عدم استطاعة إعتاق الرقبة فقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً.
أي: فمن لم يجد رقبه مؤمنة يعتقها فعليه في هذه الحالة صيام شهرين متواصلين في أيامهما، لا يفرق بينهم فطر، بحيث لو أفطر يوما فيها استأنف من جديد ابتداء الشهرين، إلا أن يكون الفطر بسبب حيض أو نفاس أو مرض يتعذر معه الصوم.
وقوله - تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ مفعول لأجله والتقدير: أي شرع الله لكم ذلك توبة منه أي قبولا لها ورحمة بكم. من: تاب الله على فلان إذا قبل توبته.
وهذه التوبة ليست من إثم القتل الخطأ، لأن الإثم مرفوع عن المخطئ كما في الحديث الشريف «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .
وإنما التوبة هنا من التقصير وقلة التثبت والتحقق، ولكي يكون المسلم يعد ذلك متذكرا فلا يقع منه في المستقبل ما وقع منه في الماضي، ولهذا قال الإمام الزيلعي:
«وبهذا النوع من القتل أي القتل الخطأ - لا يأثم إثم القتل، وإنما يأثم إثم ترك التحرز والمبالغة في التثبت، لأن الأفعال المباحة لا تجوز مباشرتها إلا بشرط ألا تؤذى أحدا. فإذا آذى أحدا فقد تحقق ترك الحرز» .
وقوله وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً تذييل قصد به زجر الناس عن اتباع الهوى وعن مخالفة شريعته.
أي: وكان الله وما زال عليما بالنفوس وخباياها وحركاتها وبكل شيء في هذا الكون: حكيما في كل ما شرع وقضى. وسيحاسب الناس على أقوالهم. وأعمالهم يوم القيامة. وسيجازيهم بما يستحقون من خير أو من شر.