ومن تولى معرضاً مكذباً فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه، ولم يرسل الرسول ليجبره على الهدى، ويكرهه على الدين، وليس موكلاً بحفظه من العصيان والضلال، فهذا ليس داخلاً في وظيفة الرسول، ولا داخلاً في قدرة الرسول، وإنما ذلك بيد الله وحده: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) } [يونس: 99 - 100] .
فكل ما يحصل في الكون لا يكون إلا بإذن الله وإرادته، وقدره ومشيئته، وكل ما يحصل للناس من الحسنات والسيئات، والنعم والمصائب، فلا يقع إلا بإذن الله وإرادته.
وما يصيبهم من حسنة ونعمة فهو من عند الله، لأنه بسبب منهجه وهدايته، وفضله وإحسانه.
وما يصيبهم من سيئة ومصيبة فهو من عند أنفسهم، لأنه حصل لهم بسبب تنكبهم عن منهج الله، والإعراض عنه: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) } [النساء: 79] .
والإيمان بالرسول:
طاعته فيما أمر .. وتصديقه فيما أخبر .. واجتناب ما نهى عنه وزجر .. وألا بعبد الله إلا بما شرع.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - وظيفته أنه رسول يبلغ ما جاء به من عند الله إلى خلقه، وطاعته
فيما يأمر به طاعةً لله.
وليس هناك طريق لطاعة الله غير طاعة رسوله.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس مكلفاً أن يحدث الهدى للمعرضين المتولين، ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولي بعد البلاغ والبيان: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48] .
والأنبياء والرسل هم مصابيح الدجى، وينابيع الهدى في هذه الأرض، فهدى الله للبشر جاء بواسطتهم، وما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا، وما أنزل الله الكتب إلا ليحكم بها بين الناس بالعدل.