فهرس الكتاب
الوجه الرابع: البرهان من التوراة والإنجيل على أن التوبة وحدها تكفي لغفران الذنوب، ولا حاجة للصلب.
في الإنجيل الذي بين أيديكم أن الله صفح (وتاب على أهل نينوى عندما صاموا وقاموا) ، ويقولون: إن الصوم والصلاة والصدقة والتوبة لا تجدي شيئًا لأنَّها طرق بشرية ولا بد في التوبة من وسيلة إلهية، وهي (صلب نفسه على الصليب) .
ويقال لمن زعم خطيئة آدم قد عمّت سائر أولاده، وأنه لا يطهرهم من خطاياهم إلَّا قتل المسيح: فالتوراة والنبوات ترد هذه المقالة الشوهاء، وذلك أن التوراة تقول في السفر الأوّل وهو الذي يعرف بسفر الخليقة لقابيل الذي قتل هابيلًا، وردّ الله عليه قربانه ولم يتقبله:"إنك إن أحسنت تقبلت منك، وإن لم تحسن فإن الخطية رابضة ببابك" (التكوين 4/ 7: 6) ، وإذا كان الأمر كذلك فقد صار إحسان المحسن من بني آدم مطهرًا له ومخلصًا، فلا حاجة إلى شيءآخر.
وقال الله تعالى في السفر الأوّل من التوراة:"إني سأجزي هابيل عن الواحد سبعة" (التكوين 4/ 15) ، وفي ذلك مندوحة عن التطهير بقتل وصلب، إذ الجزاء طهرة وزيادة.
وقد قال الله تعالى في بعض النبوات:"لا آخذ الولد بخطية والده ولا الوالد بخطية ولده، طهارة الطاهر له تكون، وخطية الخاطئ عليه تكون" (حزقيال 18/ 20) ، وذلك موافق لقول ربنا جلّ اسمه:" {إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (الأنعام: 164) ."
وقد قال الله في المزمور الرابع:"يَا بَنِي الْبَشَرِ، حَتَّى مَتَى يَكُونُ مَجْدِي عَارًا؟ حَتَّى مَتَى تُحِبُّونَ الْبَاطِلَ وَتَبْتَغُونَ الْكَذِبَ؟ سِلَاهْ. 3 فَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَيَّزَ تَقِيَّهُ. الرَّبُّ يَسْمَعُ عِنْدَ مَا أَدْعُوهُ. 4 اِرْتَعِدُوا وَلَا تُخْطِئُوا. تَكَلَّمُوا فِي قُلُوبِكُمْ عَلَى مَضَاجِعِكُمْ وَاسْكُتُوا. سِلَاهْ. اِذْبَحُوا ذَبَائِحَ الْبِرِّ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ." (مزمور 4/ 5: 2) ، فهذا المزمور من مزامير داود يقول: إنه لا حاجة إلى قتل المسيح إذ كان الندم والتوكل على الرّبّ تعالى فيه مندوحة عن ذلك.