وعلمك في علم الله - جلَّ جلالُه - إلا كنقرة هذا العصفور من هذا البحر"وعلم الخضر"
وموسى كان من علم الله - جلَّ جلالُه - ، وكذلك موجود الدنيا هو من موجود الآخرة.
سهل على إبراهيم المأتى في العبرة من دليل إلى ما هو مدلول عليه، ومن
إشارة إلى ما هو مشار إليه؛ إذ معرفها والمشار إليه بها، والمشهود له بها إنه جاعلها
ومسخرها هو الحي القادر العالم المريد المدبر الحكيم، وإنهن كما هن مدبرات لا
تستغني عن مدبر قادر مصرف.
كذلك قال عزَّ من قائل: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا) إلى قوله:
جل قوله: (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي: الحق الذي إليه المصير، فاعبر
-وفقك الله - مما نشاهده هنا إلى حق فيما هنالك، واحكم بالمماثلة من قليل هنا إلى
كثير هناك باقٍ، ولا يفنى، كذلك قال: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5) .
قوله تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ...) محاجتهم إياه أن أضافوا ما قد
جعل الله جلَّ ذكره لهن من أمره في طلوعهن، وحلولهن في محالهن من أفلاكهن
مع اختلاف الأوقات والشهور والأزمان، وما قد حفَّ بذلك الأمر من ملائكته -
على جميعهم السلام - لتنفيذ ذلك الأمر عنه بإذنه يقولون، وبإقراره إياهم يعملون.
يقولون له: ألا ترى ما تصنعه الشمس من أمر كذا وكذا والقمر؛ وربما عددوا
منافع ومضار جعلها الله من أمره كما تقدم، فكان ذلك له هداية، وفي حقهم فتنة
وعمى عن رؤية الفاعل المسخر المدبر - جلَّ وعلا - فاكتفى - عليه السلام - بما هو من عنده
من علم الله - جلَّ جلالُه - ، وتدبيره بها الكفاية كلها، فقال: (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ)
يقول: وقد هداني إلى أن كل ما تذكرونه من أمر تضيفونه إليهن، فهو
أمر الله وتدبيره وحده لا شريك له، وحرفوه بما زعموا أنه كائن عنهن في حال
طلوعهن وغروبهن، ومقابلتهن على نسب يتظننونها أوجدوها، حقيقتها لله جلَّ ذكره
وهو الأول فيها، والآخر والظاهر والباطن.
كذلك قال قوم هود - عليه السَّلام -: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)