قال السدي: لما سقط الصرح ، تَبَلْبَلَتْ أَلْسُن الناس من الفزع ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً ، فلذلك سميت"بابل"، وإِنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية ، وهذا قول مردود ، لأن التَّبَلْبُلَ يُوجب الاختلاط والتكلمَ بشيء غير مستقيم ، فأما أن يوجب إِحداث لغة مضبوطة الحواشي ، فباطل ، وإِنما اللغات تعليم من الله تعالى.
فإن قيل: إِذا كان الماكر واحداً ، فكيف قال:"الذين"ولم يقل:"الذي"؟ ، فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه كان الماكر ملكاً له أتباع ، فأدخلوا معه في الوصف.
والثاني: أن العرب توقع الجمع على الواحد ، فيقول قائلهم: خرجت إِلى البصرة على البغال ، وإِنما خرج على بغل واحد.
والثالث: أن"الذين"غير موقع على واحد معين ، لكنه يراد به: قد مكر الجبارون الذين من قبلهم ، فكان عاقبة مكرهم رجوع البلاء عليهم ، ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري: قال: وذكر بعض العلماء: أنه إِنما قال:"من فوقهم"، لينبه على أنهم كانوا تحته ، إِذ لو لم يقل ذلك ، لاحتمل أنهم لم يكونوا تحته ، لأن العرب تقول: سقط علينا البيت ، وخَرَّ علينا الحانوت ، وتداعت علينا الدار ، وليسوا تحت ذلك.
قوله تعالى: {وأتاهم العذاب من حيثُ لا يشعرون} أي: من حيث ظنوا أنهم آمنون فيه.
قال السدي: أُخذوا من مأمنهم.
وروى عطية عن ابن عباس قال: خَرَّ عليهم عذاب من السماء.
وعامة المفسرين على ما حكيناه من أنه بنيان سقط.
وقال ابن قتيبة: هذا مَثَل ، والمعنى: أهلكهم الله ، كما هلك من هُدِم مسكنه من أسفله ، فخر عليه.
قوله تعالى: {ثم يوم القيامة يخزيهم} أي: يذلُّهم بالعذاب.
{ويقول أين شركائي} قرأ نافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي ،"شركائيَ الذين"بهمزة وفتح الياء ، وقال البزِّيُّ عن ابن كثير:"شركايَ"مثل: هدايَ ، والمعنى: أين شركائي على زعمكم؟ هلاّ دفعوا عنكم!.